الخميس 16 ابريل 2026

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.01 3.03
    الدينــار الأردنــــي 4.26 4.28
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.55 3.57
    الجـنيـه المـصــري 0.055 0.057

اقتصاد غزة: من الهشاشة إلى الانهيار

  • 11:13 AM

  • 2026-04-16

أ.د سمير مصطفى أبو مدلله*:

لم تعد الحرب على قطاع غزة مجرد مواجهة عسكرية عابرة، بل تحولت إلى حرب شاملة استهدفت مقومات الاقتصاد والحياة اليومية، وأدخلت القطاع في واحدة من أسوأ الأزمات الاقتصادية والإنسانية في تاريخه الحديث.
فخلال أشهر قليلة، انهارت القطاعات الإنتاجية الرئيسية وتعطلت الأسواق وارتفعت معدلات البطالة والفقر إلى مستويات غير مسبوقة، ما أدى إلى انتقال الاقتصاد من حالة الهشاشة المزمنة إلى اقتصاد منكوب يعتمد بشكل شبه كامل على المساعدات الإنسانية، في ظل غياب أي أفق واضح للتعافي الاقتصادي أو إعادة الإعمار.
وتعرض قطاع الزراعة، الذي يشكل أحد أهم مصادر الأمن الغذائي وفرص العمل إلى تدمير واسع نتيجة تجريف الأراضي الزراعية واستهداف شبكات الري والآبار والبنية التحتية الزراعية، ما أدى إلى انهيار الإنتاج المحلي بشكل شبه كامل.
وتشير التقديرات إلى أن النشاط الزراعي انخفض بنحو 91% خلال عام 2024، الأمر الذي حرم آلاف المزارعين من مصادر دخلهم، وعمّق أزمة الأمن الغذائي، ودفع السكان نحو الاعتماد المتزايد على المساعدات الإنسانية في ظل تراجع القدرة المحلية على إنتاج الغذاء.
ولم يكن قطاع الصناعة بمنأى عن هذا الانهيار، حيث تعرضت المصانع والمنشآت الصناعية للتدمير المباشر أو توقفت عن العمل بسبب نقص الكهرباء والوقود والمواد الخام، ومع تراجع النشاط الصناعي بنحو 90% توقفت سلاسل الإنتاج وفقد آلاف العمال وظائفهم، ما ساهم في تسارع انهيار الاقتصاد المحلي وارتفاع معدلات البطالة بشكل غير مسبوق.
كما شهد قطاع التجارة شللا شبه كامل نتيجة تدمير الأسواق والمحال التجارية وتعطل حركة الاستيراد والتصدير، إذ تشير التقديرات إلى أن أكثر من 80% من منشآت القطاع الخاص تضررت أو دمرت، الأمر الذي أدى إلى انهيار حركة التجارة الداخلية وتراجع النشاط الاقتصادي إلى مستويات غير مسبوقة.
وقد انعكست هذه التطورات على حجم الخسائر الاقتصادية التي بلغت مستويات ضخمة، حيث قدر البنك الدولي الخسائر الاقتصادية بنحو 19 مليار دولار نتيجة تراجع الإنتاجية والإيرادات، فيما أشارت تقارير صادرة عن الأمم المتحدة إلى أن قيمة الأضرار في البنية التحتية بلغت نحو 18.5 مليار دولار، مع نزوح أكثر من مليون شخص وتدهور حاد في النشاط الاقتصادي، في وقت قدرت فيه تكلفة إعادة إعمار غزة بأكثر من 70 مليار دولار، مع انكماش الاقتصاد بنسبة 87% خلال الحرب.
وقد أدى هذا الواقع إلى ارتفاع غير مسبوق في معدلات البطالة والفقر، حيث بلغت البطالة في غزة نحو 80%، بينما انكمش الناتج المحلي بأكثر من 82%، وارتفعت معدلات الفقر بشكل حاد، حيث أصبحت غالبية الأسر تعتمد على المساعدات الإنسانية في ظل انهيار مصادر الدخل وتراجع القدرة الشرائية.
كما زاد من تعقيد الأزمة تدمير البنية التحتية، حيث تضررت شبكات الطرق والكهرباء والمياه بشكل واسع، وتعرض أكثر من 62% من شبكة الطرق للتدمير أو الضرر، الأمر الذي أعاق حركة النقل والتجارة وعطل النشاط الاقتصادي بشكل كبير.
تنصل إسرائيلي
ورغم الجهود السياسية التي بُذلت للتوصل إلى اتفاق تهدئة، إلا أن إسرائيل لم تلتزم بتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق، والتي كان يفترض أن تتضمن إدخال ما لا يقل عن 600 شاحنة مساعدات يوميا، وفتح المعابر التجارية بشكل منتظم، وإدخال الوقود والمواد الأساسية ومواد إعادة الإعمار.
كما لم يتم الالتزام بفتح معبر رفح وفق اتفاقية المعابر 2005، الأمر الذي أدى إلى استمرار القيود على الحركة التجارية والإنسانية، وتعميق حالة الشلل الاقتصادي في القطاع.
إلى جانب ذلك، استمر استهداف البنية التحتية المدنية، بما في ذلك تدمير المستشفيات والمخابز والمنشآت الحيوية، إضافة إلى تدمير واسع للمنازل خاصة شرق الخط الأصفر، ما أدى إلى زيادة أعداد النازحين وتفاقم الأزمة الإنسانية.
كما استمر القتل اليومي، الأمر الذي زاد من حالة عدم الاستقرار وأثر بشكل مباشر على النشاط الاقتصادي وحركة الأسواق، في وقت لم يتم فيه إدخال الكرافانات أو المساكن المؤقتة لإيواء آلاف الأسر التي فقدت منازلها، رغم أن ذلك كان جزءا أساسيا من التفاهمات الأولية.
وفي ظل هذه التطورات، تبدو إسرائيل وكأنها تضرب بعرض الحائط المرحلة الأولى من الاتفاق، وتسعى إلى الانتقال إلى المرحلة الثانية دون تنفيذ الالتزامات الأساسية، وهو ما يعمق الأزمة الاقتصادية والإنسانية ويؤخر فرص التعافي.
ويؤدي هذا السلوك إلى استمرار حالة الانهيار الاقتصادي، وتحول الاقتصاد المحلي إلى اقتصاد مساعدات، مع تآكل الطبقة الوسطى وتراجع الاستثمارات وتزايد الاعتماد على الاقتصاد غير الرسمي.
وفي المقابل، تبرز أهمية دور الوسطاء الإقليميين والدوليين، خاصة مصر وقطر إلى جانب الأمم المتحدة، في الضغط لتنفيذ المرحلة الأولى من الاتفاق وفتح المعابر وإدخال المساعدات ومواد إعادة الإعمار وتثبيت وقف إطلاق النار، باعتبار أن ذلك يمثل المدخل الأساسي لوقف الانهيار الاقتصادي والبدء بمرحلة التعافي.
وختاما نجد أن اقتصاد غزة تحوّل من اقتصاد هش ومحاصر إلى اقتصاد منكوب يعاني من انهيار شامل في القطاعات الإنتاجية، وارتفاع غير مسبوق في البطالة والفقر، وتدمير واسع للبنية التحتية، واستمرار القيود على الحركة التجارية، الأمر الذي يجعل فرص التعافي مرهونة بتنفيذ الاتفاقات ورفع القيود وبدء عملية إعادة الإعمار، وإلا فإن القطاع سيبقى عالقا في دائرة الانهيار الاقتصادي والإنساني لفتره طويله قادمه.

*محاضر في جامعة الأزهر:
*عضو الأمانة العامة في اتحاد الاقتصاديين الفلسطينيين:

 

الآراء المطروحة تعبرعن رأي كاتبها أوكاتبته وليس بالضرورة أنها تعبرعن الموقف الرسمي

لـ"ريال ميديا"

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات