الخميس 15 ابريل 2021

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.25 3.27
    الدينــار الأردنــــي 4.6 4.62
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.9 3.95
    الجـنيـه المـصــري 0.2 0.21

مستويات اللغة وتعدد الأصوات في رواية أحمر شفاه وبندقية للكاتب سعيد أبو غزة

  • 23:36 PM

  • 2021-02-18

شفيق التلولي:

تعد رواية "أحمر شفاه وبندقية" باكورة أعمال الكاتب سعيد أبو غزة في مجال السرد الروائي وقد سبق أن أصدر ديوانيين شعريين، بالإضافة لإصداره لسيرة ذاتية بعنوان "عاشق الجنة" ومجموعة نصوص أدبية بعنوان "رسائل بلا طوابع" وتقع الرواية الصادرة عن دار ابن رشد للطباعة والنشر بمصر في 281 صفحة من القطع المتوسط، موزعة على خمسة عشر فصلًا معنونًا وعتبات نصية ممهدة لكل فصل.

استخدم الكاتب تقنية تعدد الرواة، الأمر الذي أسفر عن تعدد الأصوات والمنظورات، تدور الرواية حول تيمة أساسية وبعض الأفكار الفرعية الأخرى التي انبثقت منها، التيمة الأساسية تدور حول معاناة مرضى السرطان من خلال الغوص في دواخلهم النفسية والذاتية ورحلتهم مع المرض وتحدياته، لا سيما مرضى غزة وعذاباتهم في الانتقال ومراوحة المكان بحكم الحصار، كذلك هناك أفكار أخرى انبثقت من تلك التيمة الرئيسية نتيجة تعدد الأصوات والشخصيات والأماكن.

انطلق السرد من لحظة اكتشاف إصابة السارد الرئيسي مصطفى بمرض السرطان وخروج زوجته نائلة برفقته في رحلة علاج للقاهرة والتي كانت قد استهلت السرد حيث انثال بلسانها مرارًا وتكرارًا لتتمظهر بصورة الراوي العارف بجل فتات الأشياء وتفاصيلها إذ جاء السرد بمجمله بضمير المتكلم متناوبًا بينهما، فيما ساعدهما في ذلك شخصيات فرعية أخرى كادت أن تكون سرادًا أساسيين أخر بسبب تناوبهم لمحكيهم مثل: الدكتور مصطفى وزوجته ريري هانم وغيرهما من شخصيات مساعدة تولدت خلال سير السرد الزمكاني.

خلق السرد مكانين للرواية هما، القاهرة وغزة، محلقًا في فضاء وعوالم كل منهما، بل تعدى ذلك للخوض في عوالم أخرى مثل: لبنان وفرنسا التي جاء على ذكرهما في سياق السرد ليكشف تجليات الواقع في كل من فلسطين "غزة، رفح، مخيم جباليا" ومصر "القاهرة، المنصورة، سيناء" ولبنان "بيروت، البقاع" بما شهدت من أحداث خلال السرد وبخاصة عرض حكاية الدكتور حسن الطبيب المعالج لمصطفى وحكايته مع الطبيبة اللبنانية رولا وحكاية والد زوجته ريري هانم وأسرار كل منهم وصولًا لانكشاف سر الدكتور خليل تلميذ الدكتور مصطفى النجيب.

جمعت مستويات اللغة السردية بين الشعرية والتقريرية وتنوعت بين المونولوج الذي اعتمد فيه على التوصيف الدقيق والمسهب في كثير من الأحيان، فكشف عن تفاصيل الشخصيات والأماكن مبحرًا في عوالمها المختلفة، وبين الديالوج الذي جاء في أغلب الأحيان محمولًا على اللغة المحكية الشعبية العامية بحسب ثقافة وطبيعة الشخصيات والبيئة التي ينتمون إليها في كل من فلسطين ومصر ولبنان، التي ساق لكل منها حكاية متفرعة عن تيمة الحكاية الأساسية، فتارة استخدم اللهجة الفلسطينية وتارة أخرى استخدم اللهجة المصرية وفي بعض الأحيان استخدم اللهجة اللبنانية بحسب سياق السرد، حتى أنه استخدم اللهجة البدوية خلال استدعاء السارد مصطفى لجولاته في سيناء.

يمتد زمن الخطاب في الرواية منذ اللحظة التي اكتشف فيها إصابة مصطفى بمرض السرطان وخروجه وزوجته نائلة للقاهرة في رحلة علاج تخللها سيرورة الأحداث وتتابعها ما بين غزة والقاهرة والعكس عبر فترة زمنية امتدت ما يقارب أربع سنوات تقع ما بين عامي 2008 و 2012م وربما يقل أو يزيد، لكنها لا تتعدى خمس سنوات في جميع الحالات.

أما زمن الحكاية فهو الزمن الذي تقاطع مع أعمار الشخصيات الممتد إلى سبعينيات مرورًا بثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وحتى عام الألفين وما بعده بعدة أعوام، وهو الزمن المحمل بأحداث تلك السنوات وحكاياتها منذ نشأة الساردة نائلة وطفولتها في رفح ومن ثم انتقالها وأهلها لمخيم جباليا بعد هدم بيتهم واعتقال والدها من قبل الاحتلال الإسرائيلي، مرورًا باندلاع انتفاضة الحجارة وقيام السلطة الفلسطينية وانتفاضة الأقصى وملامح وتجليات تلك المراحل وتفصيلاتها وتناقضاتها التي عايشها الساردان نائلة ومصطفى وتناوبا السرد في رحلة حب ونضال وكفاح لا تخلو من السعادة والجمال والعذابات وما مر بهما من أحداث وحكايات مختلفة مع شخصيات عدة.

اعتمد الكاتب على تقنيتي الاستراجاع والاستباق فتجلى فائض السرد ما يجعل الأمر ملتبسًا على المتلقي خلال تنقله بين الرواة الذين تناوبوا السرد بأصوات مختلفة ليخال للقارئ أن الأصوات قد خرجت عن سياق ضمير المتكلم الذي ساقه المؤلف خلال سرد النص الروائي، ليعود ويلملمها من جديد، فيما وفق الكاتب في استخدام تقنيتي الاسترجاع والاستباق غير أنه كان يجب ألا يحرم المتلقي من الشعور بالتشوق حينما استبق كشف ملامح سر حكاية الدكتور مصطفى والدكتورة رولا ومن ثم عاد ليبوح به في فصل لاحق ما قلل من دهشة القارئ.

وبإسدال الستار على مسرح أحداث الرواية بعد انكشاف أبعاد الحكاية الرئيسية وما تفرع عنها من أسرار لحكايات فرعية تشعبت من التيمة الأساسية للنص الروائي، نفض الكاتب الغبار عن ماهية شخصية السارد مصطفى ليتجلى أمام القارئ صفاته وسماته وخصاله التي تجاوزت مصطفى المريض فكشف عن وجه مصطفى الإنسان، العاشق، البطل، المقاوم، الشجاع، الحالم، لينتهي السرد بموته وهذا أمر محمود إذ يتجاوز المألوف والمعتاد في الصورة النمطية المرتبطة بعدم موت البطل، ليعود الكاتب ويستأنف النص بصوت الساردة نائلة التي أخذت تقرأ وصية مصطفى، ما جعل المتلقي يظن منذ بداية النص الروائي أن الساردة نائلة راوية عليمة، وما أن ينتهي النص حتى يدرك المتلقي أن رؤيتها غير كلية، وهذا يستدل عليه من خلال صوت السارد مصطفى الذي تردد في فضاء النص الروائي بل جعله المؤلف الشخصية المحورية في سياق السرد على امتداد الرواية وتبدلات أزمنتها وأمكنتها وشخصياتها.

أغلق المؤلف روايته فاتحًا تساؤلات عدة بلغة إشارية ودلالية تارة وتارة أخرى بلغة مباشرة حول قضايا المجتمع العربي والفلسطيني بتجلياته وتناقضاته، تاركًا علامة استفهام حملها غلاف الرواية بعنوانها المثير للجدل حول مدى صوابيته من عدمه ومدى ربطه بالرواية باعتبارها رواية اجتماعية سياسية ذات أبعاد إنسانية.

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات