الاحد 26 ابريل 2026
| العملة | سعر الشراء | سعر البيع |
|---|---|---|
| الدولار الامـريكي | 2.96 | 2.98 |
| الدينــار الأردنــــي | 4.24 | 4.26 |
| الـــيــــــــــــــــــــــــورو | 3.53 | 3.55 |
| الجـنيـه المـصــري | 0.053 | 0.055 |
إحسان الموسوي البصري:
لقد إخترت هذا النص بالذات "شاي أزرق" لأنني رأيت فيه مقومات النص النثري ، ولإحتوائه على الكثير من الصور الجديدة المبتكرة التي أدهشتني وجعلتني أقف أمام مخزون خيال الشاعرة الرائق الذي شكَّل صوراً شعرية بديعة، ولخلوه نسبياً من الهنات والفجوات التركيبية .
وبنظرةٍ عجلى تتجلى الصورة البَصَرية التي توحي بأن النص نثري من الشعر المعاصر، وجدتهُ يضجُّ بالصور الشعرية المفعمة بالعاطفة و الذي استخدمت فيه الشاعرة الجمل القصيرة، فكانت الفكرة العامة للنص تنم عن صبغة رمزية عميقة بعمق المأساة حيث أبدعت الشاعرة في وصف حالة الضجر والحزن بقابلية فنية فريدة ببيئة شعرية أوروبية (مدينة كوبنهاغن) وكأنها تريد أن تخبر عن قضية هامة تنبي عن فحواها في سطور النص الأولى من خلال إستعراض مظهر من مظاهر الحداثة الشعرية .
وإن لم يكن الوحيد لكنه لافت للإنتباه لأنه سعى لتصورات أبعد غوراً في طرح قضية إيدلوجية تخص الإنسان والمجتمع بصورةٍ أدبيةٍ كامنة تجاوزت الأنا وتجردت من كل موروث.
وفي "شاي أزرق" وبعدما تجاوزت الشاعرة كذلك حدود القضايا السياسية والمشكلات الاجتماعية الى آفاق أخرى ممزوجة بروح شعرية نطقتها بكلمات مصاغة في ظل التجربة الذاتية للشاعرة وفي ظل الدائرة الإجتماعية المحيطة بها.
فالعنوان يكشف عن منهجية الشاعرة في تناول حدث معين تكمن تفاصيله جلية خلف كلماتها التي ستقدمها آنفاً على طبق من ذهب في سياق تصوراتها.
ولأجل الوقوف على مقاطع النص وتتبع صوره الجزئية والكلية وعلاقتها ببعضها أوردته كاملاً في متناول اليدِ لأجل الإطلاع على الحداثة في مفهومها التنويري والاطلاع ايضاً على القابلية الشعرية والفكرية والمعرفية للشاعرة .
النص
-----
شاي أزرق
ضجرةٌ كوبنهاغن هذا المساء
و ضجرةٌ أنا
من شبحِ الحُمَّى الأبله
رصدْتُه يتسكَّعُ
في أزقةِ (فريذريكسبرغ)
متدليَّاً من النَّوافذ
متعلِّقاً كصليبِ الموت
فوق شاهدةِ المدافِن
أيعتقدُ حقاً
أنَّه سيخيفُ أضواء المقاهي
فتنطفئ؟
أيحسبُ حقاً
أنه سيُرعبُ الكراسي
فتختبئ؟
و أنَّني لن أشتري (latte)
كلَّ صباحٍ من بائعِ القهوة
و لن أوَّزع حُروف الأبجدية
على الصِّغار
ظهيرة الأحَّد؟
أخرقٌ أنت أيُّها الأبله
تطرقُ أبوابَ البائسين
فلا تفتحُ لك
تتعلق بأفواهِ المداخنِ
فلا تبتلعُك!
و لا أدري لماذا
رُغم كلَّ هذا الذُّعر
لم تغِبْ حكاياتُه عن بالي
ذلك الَّذي يقطنُ
في بيتٍ من قزح
شاهدتهُ
يملأُ قدحي بالشَّاي
إيه..
ما أجمل أن يجمعنا
قدحٌ من الشَّاي!
ذلكَ الإنجليزي
الذي يُحبُّ الشَّاي
أزرق...!
و غاباتُه السُّود
تنامُ على حُقولٍ
من الأخضر؟
يا لهُ من أحمق!
هو كشبحِ الحُمَّى
يُطاردُني حيثُ أذهب
و أهربُ منهُ حيثُ أشاء
حتى تركتهُ وحيداً
ثَمِلاً يُعاقرُ الحُروف..
*فريذريكسبيرغ: حي سكني من أحياء كوبنهاغن تتخلله حدائق، شوارع تجارية و مقاهي جميلة.
من خلال المظهر الخارجي للنص، أراه لايرتبط بالتوتر النفسي والقلق السائد في المجتمع إثر تفشي الوباء العالمي "كورونا" بقدر مايرتبط بالتجرد الذهني في مجال تشبيه الأشياء .
"ضجرةٌ كوبنهاغن هذا المساء
وضجرةٌ أنا"
أرى أن الشاعرة جعلت مفردات الحزن والضجر بوابة بوح لمشاعرها المستكّنة في ذاتها يتناسب فيها التضايف المعنوي التشبيهي.
وهنا يتبدى لنا وجه التشابه بين الصورتين اللتين تضمنهما هذا النص كصورة حسية أكثر تخصيصاً ، ولكنهما لا تكشفان عن رؤية مكتملة للنص لحد الآن ، فصيرورة البؤس والضجر والحزن آخذة بالتكاثر والإتساع من خلال الرموز التي وضعتها الشاعرة في طريق القارئ كعلامات فارقة تظهر منعطفات السبيل الذي سيسلكه وسط هذه المفاهيم الرؤيوية الجديدة.
"رصدتهُ يتسكع
في أزقةِ (فريذريكسبرغ)
متدليَّاً من النوافذ
متعلقاً كصليب الموت
فوق شاهدة
المدافن"
ما أروعها من صورة تشبيهية مبتكرة،
لأن معاينة رؤية الشاعرة بهذا الاتجاه الأيديولوجي تظهر مدى ابتداعها لصورٍ رمزية جديدة تجسد بها الوباء المستشري في انحاء مدينتها المهجرية عامدةً الى أنسنة جائحة كورونا في أن تهبها أرجلا تتسكع بها في أجمل الشوارع التي تعرفها المدينة. إلا إن توجه الشاعرة كان أكثر مباشرة وواقعية في قولها:
"ولن أوزع حروف الأبجدية على الصغار ظهيرة الأحد "
ولن تشتري قهوتها المفضلة ولن ولن،
فكانت صادقة في تجسيد مايحيط بها بدقة متناهية من خلال اختيار المفردة التركيبية والصورة المبسطة.
"أيعتقدُ حقاً
أنَّه سيخيفُ أضواء المقاهي
فتنطفئ؟
أيحسبُ حقاً
أنه سيُرعبُ الكراسي
فتختبئ؟"
وكأنها أرادت القول أن للأمور نواميسها الطبيعية في شلل الحياة وتوقفها.
فكانت معاناتها تتبلور شيئا فشيئاً بشكل منسجم مع النص فأضفت عليه شيئا من الحزن حيناً و من التفاؤل حيناً آخر.. و لم يخلُ النص من عتب أو توبيخ بترابط وثيق بين ما يحدث بداخله -وان أظهرت سطوره عدم الاكتراث - وبين باطنها المتضعضع نسبيا بدافع القوة الكامنة التي تضمنتها معانيه.
إن الطرح الفكري للنص الذي تجلى في بعض خواصه الاسلوبية كأختيار الأفعال في أماكن تستوجب زجها و إختيار بعض المفردات التركيبية وكيفية استخدام ادوات النصب والجزم بقابلية فنية فريدة جعل النص متماسكاً لغوياً ونحوياً في ظاهره الفني والمعنوي.
وكل ذلك برز جلياً في توافق الشكل والمضمون.
ثم لم تلبث الشاعرة حتى تنحى منحاً آخراً يكاد يكون جميلاً متفائلاً وكأنه تحليقٌ بعالم غير الذي تعيشه أو محاولة للإمساك بحلمٍ رمزي يتخذ من التخفي صورةً له مع البقاء على جوهر المضمون الظاهري للنص بدمج فني جميل يمثل اقتراباً من التوقيعات النفسية التي تألفت منها الصورة بذلك التشكيل النغمي الجديد.
"و رغم كلِّ هذا الذُعر
لم تغِب حكاياتهُ عن بالي
ذلك الذي يقطن في بيتٍ من قزح
شاهدته يملأ قدحي بالشاي
أيه..
ما أجمل أن يجمعنا قدحٌ من الشاي"
فالشاعرة استطاعت أن تجمع بين الموضوع والمغزى الشعوري الخاص بها بكثير من المعاني التي أوحت بها لتكون واقعية في مجالها الشعوري.
"ذلك الانجليزي
الذي يحبُّ الشاي أزرق
وغاباته السوداء
تنامُ على حقولٍ من الأخضر"
إختارت الشاعرة بعض الصور الموسعة فوق الحسية وربطتها بحس إسطوري خفي ، لم تصرِّح بها في النص
كما ينبغي لتدمجها في الآخر مع الغاية المتوخاة بتعامل لطيف مختلف في كل مرة .
فمرة بالتمني ومرة بالعتب ، بشاعرية تقترب من لغة الكلام الحية أو كما قالوا
هي دأبت على تقريب لغة الشعر من لغة الحديث اليومي.
فتعاملها لاينفك عن مجمل طرحها، ولايبتعد عما ترمي اليه في قرارة نفسها.
ومن الملفت للنظر استخدامها بعض المفردات الأعجمية -باعتبارها شاعرة عراقية مغتربة -بصورة تتوافق مع الشكل والمضمون مثل"latte"،"فريذر يكسبرغ" "كوبنهاغن "وهي أسماء أشياء و أماكن، في دعوةٍ منها الى بيئتها التي تألفها في بلاد المهجر.
"ياله من أحمق!
هو كشبحِ الحمّى
يُطاردني حيث أذهب
وأهربُ منه حيث أشاء
حتى تركتهُ وحيداً
ثملاً يعاقرُ الحروف"
وكان هذا المقطع أكثر المقاطع عمقاً من حيث البعد الفكري فهو قفزة نوعية على مستوى النص فهو ليس مظهراً شكلياً فحسب و لا له دلالة مألوفة بل يتعدى ليكون ضرباً من الضروب في توجهات الشعر الحديث، فهو يخفي وراءه رؤية دمجت محاولات هروبها الفاشلة من جهة وهروبها من الحمى الناتجة عن الوباء العالمي من جهة أخرى ،فكان وجه الشبه قريبا لأنهما يسيران ضمن نفس البعد.
وبهذا السياق جاء النص بوحدة فنية متماسكة وبلغة إيحائية ناجعة، متحرراً بإبداع على مستوى اللحظة الحضارية التي يعيشها.
إن هذا النص إن كان يشيرُ الى شيء فهو يشير إلى مدى أهمية تسليط الضوء من قبل الباحثين على تجربة سارة سامي ،الطبيبة والشاعرة والصحفية والأم.
تمنياتي لها بالمزيد من الشعر.
2026-04-20
10:33 AM
2026-04-19
11:24 AM
2026-04-16
16:01 PM
2026-04-16
15:49 PM
2026-04-16
11:13 AM
2023-05-21 | 17:12 PM
صور ثلاثية الأبعاد لحطام تيتانيك تحاول البحث في ظروف غرقها