الاحد 26 ابريل 2026
| العملة | سعر الشراء | سعر البيع |
|---|---|---|
| الدولار الامـريكي | 2.96 | 2.98 |
| الدينــار الأردنــــي | 4.24 | 4.26 |
| الـــيــــــــــــــــــــــــورو | 3.53 | 3.55 |
| الجـنيـه المـصــري | 0.053 | 0.055 |
حاتم عبدالهادى السيد:
( أنا الطائر
من رماد
لا يعرفنى الوقت،
لا تشبهنى البلاد) .
" رفعت سلام "....
منذ ثلاثين عاماً كنت أسافر من " العريش " بشمال سيناء؛ إلى القاهرة؛ أتجول في شوارعها ، وأرتاد مقاهيها،وأجلس إلى الأصدقاء من الشعراء وكتاب الرواية والقصة القصيرة؛ عرفت كثيرين جداً ، وحضرت أمسيات ممتدة في مبنى نقابة الصحافيين؛ عرفت : محمد جبريل ،الوردانى ناصف ،حزين عمر وكنت أرتاد ندواتهم الأسبوعية هناك؛ ثم أذهب في صباح اليوم الثانى إلى ميدان التحرير، ومنه إلى شارع طلعت حرب بمقر حزب التجمع الذى انتميت إليه ، محبة في الكبار : المثقف الكبير / رفعت السعيد ، فريدة النقاش، حلمى سالم ، عيدعبدالحليم وغيرهم.
كنت محباً للصحافة وقتها ؛ لكننى مغموساً بحبى للشعر ، وأحمل سيناء كقضية على عاتقى؛ لأضعها على الخريطة الثقافية في مصر؛ هكذا كنت أقول لنفسى؛ وأنا أسير في شوارع القاهرة العتيقة الممتدة .
في الصباح أجلس في مقهى " زهرة البستان" ، والذى تعرفت فيه على الشاعر الشاخق النبيل / " رفعت سلام " – رغم عدم ارتياده كثيراً للمقاهى - كما قال لى -، ورأيت هناك كذلك : ابراهيم عبدالمجيد ، ابراهيم أصلان ، حسن طلب ، سعيد الكفراوى – رحمه المولى- ، محمد عفيفى مطر ، مكاوى سعيد ،بهاء طاهر – تعرفت إليه في مقهى ريش - ، بهاء عبدالمجيد ؛وغيرهم.
أخبرت صديقى الروائى، والمثقف الكبير / خيرى عبدالجواد - رحمه المولى – برغبتى في العمل بالصحافة ؛ فقال لى : اذهب إلى " وكالة أنباء الشرق الأوسط "؛ إنها في الشارع المجاور،وهناك ستجد صديقنا الشاعر / جمال القصاص ؛قلت : سأذهب ، وكان أن حدث .
دخلت مبنى وكالة الأنباء الأشهر، وكان أن رأيت حينها الشاعر / رفعت سلام ، وكنت قد قرأت له ، ورأيت صورته في احدى الصحف، وأعجبت بالقصيدة ، وكان أن وقفت أمامه، وسألته : أأنت الشاعر / رفعت سلام ، فتبسم بابتسامة جميلة – كعادته – وقال لى بدماثة خلق : نعم ، ثم قابلت أ/ جمال القصاص ، ورجعت إلى " زهرة البستان "؛ لأجده هناك .
جلسنا معاً ، وجاءت القهوة ،أخبرته بما لدى من طموح للعمل كمراسل لوكالة الأنباء، ولما عرف أننى من سيناء ، اهتم بالأمر كثيراً ؛ وبدأ يحكى لى عن ذكرياته في سيناء ؛التى تمثل هاجساً لديه؛ ولها في قلبه محبة كبيرة، ثم أهدانى بعض دواوينه، وطلب منى أن أقول رأيى فيها آنذاك، ولم أكن ناقداً معروفاً ؛ بقدر ما كنت أُعرف بأننى شاعر؛ وكفى . ومن هنا بدأت صداقتنا الممتدة؛ إلى أن فجعنا به جميعاً ،عندما سمعنا خبر وفاته الفظيع .
كان قبل أن يصاب بالمرض اللعين " السرطان " يطلب منى أن أكتب عن دواوينه، ثم أرسل لى ديوانه الجميل : " أرعى الشياه على المياه " فوجدت أننى أمام عالم ملىء بالإدهاش عبر الصور والرسومات الفرعونية والإغريقية، والرومانية التى ضمنها قصائده، التى كان يشكل أحرفها بيديه؛ وكأن الشعر كانت له قداسة لديه، ثم لما سألته عن سر هذه الرسوم قال لى : " لقد رسمتها بنفسى؛ فأنا محب للرسومات ، وللفن التشكيلى، علاوة على الغناء، تعجبت من أمره؛ فهذه الرسومات التى تزين الشعر ، وتعبر عن الحالة البصرية ؛ النفسية ؛ والتشكيلية للكلمات؛ كانت أدق تصويراً لتهيئة الذهنية للدخول إلى عالم الديوان ، بل أنها كانت ديواناً تشكيلياً ؛ - كأغلب دواوينه - يضاف إلى جمالية الشعر في الديوان؛وظلت بيننا الرسائل على " الأنترنت "؛ فقمت بالكتابة عن الديوان الذى وجدت فيه تكثيفاً لغوياً ، وتصويراً بديعياً ، وصورة صادقة " لقصيدة النثر " – العالمية – والتى تتمايز بمصريتها، وبجماليات الشعر الملحمى؛ الأسطورى، الواقعى الجميل.
ثم وجدت مأساة أخرى حين أرسلت الدراسة التى كتبتها لعدة صحف ومجلات، وكنت على يقين أنها ستنشر فوراً ؛ فإذا بصدود عن نشرها من جانب كثيرين ؛ممن تتصدر يافطاتهم مسمى : " رئيس تحرير " ، فأخبرته بالأمر؛ فقال : إن غيرة ما لدى كثيرين، وحروباً خفية يقوم بها للأسف – بعض مجايليه – قد أحكمت سطوتها، وسلطتها الثقافية ؛ لتحييدى عن المشهد، فلما ذهبت إلى مجلتى الحبيبى : " أدب ونقد " وكان " حلمى سالم " – صديقى الجميل قد توفى ، وجدت الحبيب والصديق والشاعر / عيدعبدالحليم يرحب بى – كعادتى – فلما وضعت المقال بين يديه، قام بإرساله على الفور ليلحق العدد في المطبعة، وكان أن نزل المقال، وقد فرح به كثيراً – وهو على حافة الفراش – فأيقنت أننى قد أسعدت قلبه كثيراً ، وكأن ثمة تجاهل متعمد، ووشايات منعت كثير من الصحف والمجلات أن تنشر له ؛ إلا قليلاً ، ولقد احتفلت مع صديقى د. / رمضان الحضرى بالقاهرة بالمقال الذى أسعدنا نشره، وانضم إلينا الشاعر الرائع / محمود حسن عبدالتواب ؛ليشاركنا الفرحة المبهجة . وظلت الرسائل بيننا متواصلة للإطمئنان على صحته – عبر الأنترنت – إلى أن فجعنا بموته، بل بإستشهاده، فمن مات بمرض ؛ أو علة؛ فهو شهيد كذلك .
لقد آثرت سرد هذه الحكاية عن علاقتى برفعت سلام ، ربما لأضىء المشهد الخفى في حياته، وكيف أن أقرب مجايليه، كانوا يكنون له الغيرة والعداوة ، بينما انتصر عليهم بحصوله على جائزة " كفافيس " ، ثم بجائزة " أبو القاسم الشابى " ، ثم كانت ترجماته الكثيرة عن الشعراء العالميين، والتى زادت من حنق " أهل المهنة " عليه، لكنه كان صامتاً ؛ ويخجل أن يتكلم عنهم، ويصفهم بالأصدقاء، رغم كثرة مجترحاته منهم ، ليظل صاحب القلب النبيل، والإبتسامة الصادقة التى يوزعها على الجميع، والتى ظهرت في كل دواوينه، كشاهد على المحبة، وشاهد على العصر، ومؤكداً سموق " قصيدة النثر " ، وفاتحاً أفقاً ممتداً لها في مجال الشعريات العالمية الكبرى؛ وفى مصر والوطن العربى كذلك .
لقد آثرنى الصديق الشاهق أ/ عيد عبدالحليم بتقديم مختارات من شعره للمجلة، وذلك شرف، وثقة أغبطه عليهما، لتظل مجلة " أدب ونقد " رمزاً للصحافة الحرة الجميلة، وأحد أهم روافد ونوافذ المبدعين العرب كذلك .
ولنا أن نقول : إذا ذكرت قصيدة النثر ذُكِرَ رفعت سلّام ، حقيقة يعرفها الجميع ، حيث يعد الشاعر الجميل/ رفعت سلام واحداً من أهم الشعراء المعاصرين؛ بل يعد الأب الروحى لقصيدة النثر في مصر؛ وهو راهب الشعر الجديد؛ الذى أفنى عمره في التأليف،والتقعيد،والإستشراف لقصيدة النثر العربية الوليدة، فاستحق أن يكون الملهم؛ والأب الروحى للشعراء المصريين، وكثير من الشعراء العرب المعاصرين.
ولقد ولد الشاعر / رفعت سلام بمدينة منيا القمح فى محافظة الشرقية 1951، وفى عام 1955 عاد مع أسرته إلى مدينته الأصلية "منية شبين" فى محافظة القليوبية ؛ ثم التحق بجامعة القاهرة عام 1969م، ودرس الصحافة إلى أن تخرج عام 1973م، ثم ساهم فى إصدار مجلة "إضاءة 77" التى احتفت بقصيدة النثر مع بعض زملائه : حلمي سالم، وجمال القصاص، وحسن طلب، محمد عيد ابراهيم، أمجد ريان ،وغيرهم.
نشر رفعت سلام أولى قصائده سنة 1969 بمجلة الأديب البيروتية ، ثم صدر أول ديوان له عام 1987 م بعنوان: "وردة الفوضى الجميلة"، كما أسس مجلة "كتابات" الأدبية، بعد ان انفصل عن جماعة اضاءة، والتى نُشرت على صفحاتها للمرة الأولى مصطلح "جيل السبعينات" وصدر منها ثمانية أعداد، كما أصدر حوالى عشرة دواوين شعرية، وترجم عدداً من الأعمال لشعراء عالميين أمثال: بوشكين ، تشاياكوفسكى ، رامبو ، بودلير ، والت ويتمان ، كفافيس ، ريتسوس، كما أصدر عدة كتب أدبية أخرى ، كما حاز جائزة كفافيس الدولية للشعر عام 1993 م؛ كما فاز بجائزة " أبو القاسم الشابى، وغيرها ، وتوفي في السادس من ديسمبر 2020م .
ويعد ديوانه الأول : " وردة الفوضى الجميلة " من الدواوين التى أحدثت صدمة في الشعر المصرى آنذاك، فالديوان يدعو – حثيثاً – لذائقة مختلفة لم يعتدها الكثيرون الذين تشنف آذانهم الموسيقا عبر " الوزن والقافية" ، فكان الإيقاع هنا أول الخروجات عن المعتاد المموسق، عبر قصائد تستلب الذات، وتضفى على المضمون براحاً ممتداً ، وعلى السطر الشعرى سياقات مغايرة، فخرج الديوان شاهقاً ؛ باذخاً ، وقد احتفى به كثيرون؛ وعارضون كثيرون جداً ، خاصة عبر التسمية " قصيدة النثر " والتي بدأ الكلام عنها كالتالى : كيف يتسق اسم قصيدة شعرية مع النثر؛ ولكن أصحاب المذاهب والنظريات المنفتحة على العالم قد احتفوا بها ، لتتواصل مسيرة الشعرية العربية على يديه وأصدقائه من " جماعة اضاءة 77 " لتملأ الدنيا شعراً ، وضجيجاً عبر تجديدية الذائقة، وتجديدية الشعرية العربية بلا منازع، وقد تربعت قصيدة النثر عرش الشعرية العربية ، بداية من " جيل السبعينات " – والذى كان هو صاحب هذا المصلح – لتسود بقوة مسيرة ثلاثة عقود حتى مطلع الألفية الجديدة؛ إلا أنها – للأسف - ، وكما أحسب ، قد تراجعت كثيراً – الآن – ويعزى ذلك لإنصراف كثيرين عن مجابهة " الأكاديميين المصريين والعرب " في خلق المعارك حولها، ولموت كثير من روادها الكبار الأوائل، فلم يتم التأطير ، والتنظير لها – حتى الآن – وإن كانت هناك محاولات عربية من جانب كثير من النقاد قد أعطوها مساحات كبيرة من أعمارهم، إلا أن الأمر بات يحتاج إلى ثورة جديدة لمن يكتبون الآن قصيدة النثر، وبشكل أكثر عمقاً كذلك، ورؤيوية مغايرة .
ولقد قدم الشاعر / رفعت سلام للمكتبة العربية العديد من الدواوين حوالى عشرة دواوين، كما ترجم العديد من مختارات الشعر العالمى، إلى جانب دراساته ومقالاته المهمة عن الشعر، وقصيدة النثر ، وكان آخر كتبه الجميلة كتيب مبسط لرواد الشعر نشرته الهيئة العامة للكتاب هذا العام بعنوان " ما الشعر " ، والذى أراه خلاصة فلسفة الشاعر، ونظرته إلى الشعر عبر عصوره المتعاقبة، وإلى الأدب العربى والعالمى، ليصبح هذا الكتيب مرجعاً ، على بساطته، وتكثيفه، وتلخيصه لمسيرة الشعر الكونى العالمى عبر مسيرة الحياة الممتدة ؛ ومن أهم أعماله :
"وردة الفوضى الجميلة" والتي صدرت عام(1987)، إشراقـات رفعت سلاَّم" (1992)، "إنها تُومئ لي" (1993)، "هكذا قُلتُ للهاوية" (1995)، "إلى النهـار الماضي" (1998)، "كأنَّها نهايـة الأرض" (1999)، "حجرٌ يطفو على الماء" 2008 م، ديوان : هكذا تكلَّم الكَركَدن، الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2012، ديوان : أرعى الشِّـيَاه على الميَاه، دار "مومنت"، لندن 2018؛ دار خطوط ، عمَّان، 2020.، ديوان : على خاصرة الأرض، مختارات شعرية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2020.، دبوان : كرغوةٍ علَى جسدِي، مختارات شعرية، دار عائدون، عمَّان، 2020م. . أما في مجال الدراسات، صدر له "المسرح الشعري العربي" (1986)، و" بحثًا عن التراث العربي: نظرة نقدية منهجية" (1990)، ويليه كتاب "بحثًا عن الشعر"، مقالات وقراءات نقدية. وفي الترجمة صدر له : بوشكين: الغجر وقصائد أخرى (1982)، ماياكوفسكي: غيمة في بنطلون وقصائد أخرى (1985)، كربرشويك: الإبداع القصصي عند يوسف إدريس (1987)، ليرمونتوف: الشيطان وقصائد أخرى (1991)؛ يانيس ريتسوس: اللذة الأولى، مختارات شعرية (1992)، هذه اللحظة الرهيبة، قصائد من كرواتيا (1997)، يانيس ريتسوس: البعيـد، مختارات شعرية شاملة (1997)، سوزان برنار: قصيدة النثر من بودلير حتَّى الآن (مراجعة وتقديم)، 1998/ 2000، جريجوري جوزدانيس: شعـرية كفافي (1999)، دراجو شتامبوك: نجومٌ منطفئةٌ على المنضدة (2008)، شارل بودلير: الأعمال الشعرية الكاملة (2009). قسطنطين كفافي: الأعمال الشعرية الكاملة، وأوديسيوس إيليتِس: له المجـد، يانيس ريتسوس: سوناتا ضوء القمر, وأعمال أخرى نقدية مثل : " المسرح الشعرى العربى 1986م،، كتاب " بحثاً عن التراث العربى- رؤية نظرية منهجية 1990م، كتاب " بحثاً عن الشعر 2010م، كتاب : ما الشعر 2020م ..
ستظل قصيدة النثر ، " قصيدة مقلقة، ذات خصوصية، وذات صخب واشكالات من جانب النقاد ؛ لكنها غدت إجناسية موجودة – ولا يمكن انكارها – على مستوى الشكل والمضمون، ومعمارية البناء اللغوى، وفضاءات الشعرية الكونية الكامنة فيها ، فهى طائر الشعر المحلق إلى الكون والعالم والحياة .
هذا ولا يمكن تجاهل أهمية جيل السبعينات؛ بتجربته الشعرية المميزة ؛التي فتحت المجال لحرية الإبداع، وتعدد الأنواع الشعرية، والخروج من الرؤية الأحادية التي سادت لزمنٍ طويل، خاصة في ظل التحولات السياسية والإجتماعية والإقتصادية التى كانت تسود البلاد منذ عهد الزعيم / جمال عبدالناصر ، وحتى عهد الرئيس / محمد أنور السادات ..
وفى النهاية : لن نجد أبلغ مما قاله رفعت سلام ، وهو يستشرف البداية والنهاية ؛عبر الأبجدية العربية الشاعرة، يقول :
أسيراً؛
أسيرُ
على سُّرَّرَة الأرض،
غابراً ،
كشمسٍ همجيةٍ،
كِسرةُ الهديلِ في فمى،
وخلفى
تصرخُ الأبجديةُ .
نعم نحن نصرخ خلفك، والأبجدية ، ياشاعراً لن يموت في قلوبنا، وفى ذاكرة التاريخ الشعرى الكونى، فمع غياب الجسد البشرى؛ تظل روحك الفيزيائية محلقة في سماء الخلود؛ عبر الكون والعالم والحياة .
( 2 )
( أنا الطائر
من رماد
لا يعرفنى الوقت،
لا تشبهنى البلاد) .
" رفعت سلام "....
منذ ثلاثين عاماً كنت أسافر من " العريش " بشمال سيناء؛ إلى القاهرة؛ أتجول في شوارعها ، وأرتاد مقاهيها،وأجلس إلى الأصدقاء من الشعراء وكتاب الرواية والقصة القصيرة؛ عرفت كثيرين جداً ، وحضرت أمسيات ممتدة في مبنى نقابة الصحافيين؛ عرفت : محمد جبريل ،الوردانى ناصف ،حزين عمر وكنت أرتاد ندواتهم الأسبوعية هناك؛ ثم أذهب في صباح اليوم الثانى إلى ميدان التحرير، ومنه إلى شارع طلعت حرب بمقر حزب التجمع الذى انتميت إليه ، محبة في الكبار : المثقف الكبير / رفعت السعيد ، فريدة النقاش، حلمى سالم ، عيدعبدالحليم وغيرهم.
كنت محباً للصحافة وقتها ؛ لكننى مغموساً بحبى للشعر ، وأحمل سيناء كقضية على عاتقى؛ لأضعها على الخريطة الثقافية في مصر؛ هكذا كنت أقول لنفسى؛ وأنا أسير في شوارع القاهرة العتيقة الممتدة .
في الصباح أجلس في مقهى " زهرة البستان" ، والذى تعرفت فيه على الشاعر الشاخق النبيل / " رفعت سلام " – رغم عدم ارتياده كثيراً للمقاهى - كما قال لى -، ورأيت هناك كذلك : ابراهيم عبدالمجيد ، ابراهيم أصلان ، حسن طلب ، سعيد الكفراوى – رحمه المولى- ، محمد عفيفى مطر ، مكاوى سعيد ،بهاء طاهر – تعرفت إليه في مقهى ريش - ، بهاء عبدالمجيد ؛وغيرهم.
أخبرت صديقى الروائى، والمثقف الكبير / خيرى عبدالجواد - رحمه المولى – برغبتى في العمل بالصحافة ؛ فقال لى : اذهب إلى " وكالة أنباء الشرق الأوسط "؛ إنها في الشارع المجاور،وهناك ستجد صديقنا الشاعر / جمال القصاص ؛قلت : سأذهب ، وكان أن حدث .
دخلت مبنى وكالة الأنباء الأشهر، وكان أن رأيت حينها الشاعر / رفعت سلام ، وكنت قد قرأت له ، ورأيت صورته في احدى الصحف، وأعجبت بالقصيدة ، وكان أن وقفت أمامه، وسألته : أأنت الشاعر / رفعت سلام ، فتبسم بابتسامة جميلة – كعادته – وقال لى بدماثة خلق : نعم ، ثم قابلت أ/ جمال القصاص ، ورجعت إلى " زهرة البستان "؛ لأجده هناك .
جلسنا معاً ، وجاءت القهوة ،أخبرته بما لدى من طموح للعمل كمراسل لوكالة الأنباء، ولما عرف أننى من سيناء ، اهتم بالأمر كثيراً ؛ وبدأ يحكى لى عن ذكرياته في سيناء ؛التى تمثل هاجساً لديه؛ ولها في قلبه محبة كبيرة، ثم أهدانى بعض دواوينه، وطلب منى أن أقول رأيى فيها آنذاك، ولم أكن ناقداً معروفاً ؛ بقدر ما كنت أُعرف بأننى شاعر؛ وكفى . ومن هنا بدأت صداقتنا الممتدة؛ إلى أن فجعنا به جميعاً ،عندما سمعنا خبر وفاته الفظيع .
كان قبل أن يصاب بالمرض اللعين " السرطان " يطلب منى أن أكتب عن دواوينه، ثم أرسل لى ديوانه الجميل : " أرعى الشياه على المياه " فوجدت أننى أمام عالم ملىء بالإدهاش عبر الصور والرسومات الفرعونية والإغريقية، والرومانية التى ضمنها قصائده، التى كان يشكل أحرفها بيديه؛ وكأن الشعر كانت له قداسة لديه، ثم لما سألته عن سر هذه الرسوم قال لى : " لقد رسمتها بنفسى؛ فأنا محب للرسومات ، وللفن التشكيلى، علاوة على الغناء، تعجبت من أمره؛ فهذه الرسومات التى تزين الشعر ، وتعبر عن الحالة البصرية ؛ النفسية ؛ والتشكيلية للكلمات؛ كانت أدق تصويراً لتهيئة الذهنية للدخول إلى عالم الديوان ، بل أنها كانت ديواناً تشكيلياً ؛ - كأغلب دواوينه - يضاف إلى جمالية الشعر في الديوان؛وظلت بيننا الرسائل على " الأنترنت "؛ فقمت بالكتابة عن الديوان الذى وجدت فيه تكثيفاً لغوياً ، وتصويراً بديعياً ، وصورة صادقة " لقصيدة النثر " – العالمية – والتى تتمايز بمصريتها، وبجماليات الشعر الملحمى؛ الأسطورى، الواقعى الجميل.
ثم وجدت مأساة أخرى حين أرسلت الدراسة التى كتبتها لعدة صحف ومجلات، وكنت على يقين أنها ستنشر فوراً ؛ فإذا بصدود عن نشرها من جانب كثيرين ؛ممن تتصدر يافطاتهم مسمى : " رئيس تحرير " ، فأخبرته بالأمر؛ فقال : إن غيرة ما لدى كثيرين، وحروباً خفية يقوم بها للأسف – بعض مجايليه – قد أحكمت سطوتها، وسلطتها الثقافية ؛ لتحييدى عن المشهد، فلما ذهبت إلى مجلتى الحبيبى : " أدب ونقد " وكان " حلمى سالم " – صديقى الجميل قد توفى ، وجدت الحبيب والصديق والشاعر / عيدعبدالحليم يرحب بى – كعادتى – فلما وضعت المقال بين يديه، قام بإرساله على الفور ليلحق العدد في المطبعة، وكان أن نزل المقال، وقد فرح به كثيراً – وهو على حافة الفراش – فأيقنت أننى قد أسعدت قلبه كثيراً ، وكأن ثمة تجاهل متعمد، ووشايات منعت كثير من الصحف والمجلات أن تنشر له ؛ إلا قليلاً ، ولقد احتفلت مع صديقى د. / رمضان الحضرى بالقاهرة بالمقال الذى أسعدنا نشره، وانضم إلينا الشاعر الرائع / محمود حسن عبدالتواب ؛ليشاركنا الفرحة المبهجة . وظلت الرسائل بيننا متواصلة للإطمئنان على صحته – عبر الأنترنت – إلى أن فجعنا بموته، بل بإستشهاده، فمن مات بمرض ؛ أو علة؛ فهو شهيد كذلك .
لقد آثرت سرد هذه الحكاية عن علاقتى برفعت سلام ، ربما لأضىء المشهد الخفى في حياته، وكيف أن أقرب مجايليه، كانوا يكنون له الغيرة والعداوة ، بينما انتصر عليهم بحصوله على جائزة " كفافيس " ، ثم بجائزة " أبو القاسم الشابى " ، ثم كانت ترجماته الكثيرة عن الشعراء العالميين، والتى زادت من حنق " أهل المهنة " عليه، لكنه كان صامتاً ؛ ويخجل أن يتكلم عنهم، ويصفهم بالأصدقاء، رغم كثرة مجترحاته منهم ، ليظل صاحب القلب النبيل، والإبتسامة الصادقة التى يوزعها على الجميع، والتى ظهرت في كل دواوينه، كشاهد على المحبة، وشاهد على العصر، ومؤكداً سموق " قصيدة النثر " ، وفاتحاً أفقاً ممتداً لها في مجال الشعريات العالمية الكبرى؛ وفى مصر والوطن العربى كذلك .
لقد آثرنى الصديق الشاهق أ/ عيد عبدالحليم بتقديم مختارات من شعره للمجلة، وذلك شرف، وثقة أغبطه عليهما، لتظل مجلة " أدب ونقد " رمزاً للصحافة الحرة الجميلة، وأحد أهم روافد ونوافذ المبدعين العرب كذلك .
ولنا أن نقول : إذا ذكرت قصيدة النثر ذُكِرَ رفعت سلّام ، حقيقة يعرفها الجميع ، حيث يعد الشاعر الجميل/ رفعت سلام واحداً من أهم الشعراء المعاصرين؛ بل يعد الأب الروحى لقصيدة النثر في مصر؛ وهو راهب الشعر الجديد؛ الذى أفنى عمره في التأليف،والتقعيد،والإستشراف لقصيدة النثر العربية الوليدة، فاستحق أن يكون الملهم؛ والأب الروحى للشعراء المصريين، وكثير من الشعراء العرب المعاصرين.
ولقد ولد الشاعر / رفعت سلام بمدينة منيا القمح فى محافظة الشرقية 1951، وفى عام 1955 عاد مع أسرته إلى مدينته الأصلية "منية شبين" فى محافظة القليوبية ؛ ثم التحق بجامعة القاهرة عام 1969م، ودرس الصحافة إلى أن تخرج عام 1973م، ثم ساهم فى إصدار مجلة "إضاءة 77" التى احتفت بقصيدة النثر مع بعض زملائه : حلمي سالم، وجمال القصاص، وحسن طلب، محمد عيد ابراهيم، أمجد ريان ،وغيرهم.
نشر رفعت سلام أولى قصائده سنة 1969 بمجلة الأديب البيروتية ، ثم صدر أول ديوان له عام 1987 م بعنوان: "وردة الفوضى الجميلة"، كما أسس مجلة "كتابات" الأدبية، بعد ان انفصل عن جماعة اضاءة، والتى نُشرت على صفحاتها للمرة الأولى مصطلح "جيل السبعينات" وصدر منها ثمانية أعداد، كما أصدر حوالى عشرة دواوين شعرية، وترجم عدداً من الأعمال لشعراء عالميين أمثال: بوشكين ، تشاياكوفسكى ، رامبو ، بودلير ، والت ويتمان ، كفافيس ، ريتسوس، كما أصدر عدة كتب أدبية أخرى ، كما حاز جائزة كفافيس الدولية للشعر عام 1993 م؛ كما فاز بجائزة " أبو القاسم الشابى، وغيرها ، وتوفي في السادس من ديسمبر 2020م .
ويعد ديوانه الأول : " وردة الفوضى الجميلة " من الدواوين التى أحدثت صدمة في الشعر المصرى آنذاك، فالديوان يدعو – حثيثاً – لذائقة مختلفة لم يعتدها الكثيرون الذين تشنف آذانهم الموسيقا عبر " الوزن والقافية" ، فكان الإيقاع هنا أول الخروجات عن المعتاد المموسق، عبر قصائد تستلب الذات، وتضفى على المضمون براحاً ممتداً ، وعلى السطر الشعرى سياقات مغايرة، فخرج الديوان شاهقاً ؛ باذخاً ، وقد احتفى به كثيرون؛ وعارضون كثيرون جداً ، خاصة عبر التسمية " قصيدة النثر " والتي بدأ الكلام عنها كالتالى : كيف يتسق اسم قصيدة شعرية مع النثر؛ ولكن أصحاب المذاهب والنظريات المنفتحة على العالم قد احتفوا بها ، لتتواصل مسيرة الشعرية العربية على يديه وأصدقائه من " جماعة اضاءة 77 " لتملأ الدنيا شعراً ، وضجيجاً عبر تجديدية الذائقة، وتجديدية الشعرية العربية بلا منازع، وقد تربعت قصيدة النثر عرش الشعرية العربية ، بداية من " جيل السبعينات " – والذى كان هو صاحب هذا المصلح – لتسود بقوة مسيرة ثلاثة عقود حتى مطلع الألفية الجديدة؛ إلا أنها – للأسف - ، وكما أحسب ، قد تراجعت كثيراً – الآن – ويعزى ذلك لإنصراف كثيرين عن مجابهة " الأكاديميين المصريين والعرب " في خلق المعارك حولها، ولموت كثير من روادها الكبار الأوائل، فلم يتم التأطير ، والتنظير لها – حتى الآن – وإن كانت هناك محاولات عربية من جانب كثير من النقاد قد أعطوها مساحات كبيرة من أعمارهم، إلا أن الأمر بات يحتاج إلى ثورة جديدة لمن يكتبون الآن قصيدة النثر، وبشكل أكثر عمقاً كذلك، ورؤيوية مغايرة .
ولقد قدم الشاعر / رفعت سلام للمكتبة العربية العديد من الدواوين حوالى عشرة دواوين، كما ترجم العديد من مختارات الشعر العالمى، إلى جانب دراساته ومقالاته المهمة عن الشعر، وقصيدة النثر ، وكان آخر كتبه الجميلة كتيب مبسط لرواد الشعر نشرته الهيئة العامة للكتاب هذا العام بعنوان " ما الشعر " ، والذى أراه خلاصة فلسفة الشاعر، ونظرته إلى الشعر عبر عصوره المتعاقبة، وإلى الأدب العربى والعالمى، ليصبح هذا الكتيب مرجعاً ، على بساطته، وتكثيفه، وتلخيصه لمسيرة الشعر الكونى العالمى عبر مسيرة الحياة الممتدة ؛ ومن أهم أعماله :
"وردة الفوضى الجميلة" والتي صدرت عام(1987)، إشراقـات رفعت سلاَّم" (1992)، "إنها تُومئ لي" (1993)، "هكذا قُلتُ للهاوية" (1995)، "إلى النهـار الماضي" (1998)، "كأنَّها نهايـة الأرض" (1999)، "حجرٌ يطفو على الماء" 2008 م، ديوان : هكذا تكلَّم الكَركَدن، الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2012، ديوان : أرعى الشِّـيَاه على الميَاه، دار "مومنت"، لندن 2018؛ دار خطوط ، عمَّان، 2020.، ديوان : على خاصرة الأرض، مختارات شعرية، الهيئة العامة لقصور الثقافة، القاهرة 2020.، دبوان : كرغوةٍ علَى جسدِي، مختارات شعرية، دار عائدون، عمَّان، 2020م. . أما في مجال الدراسات، صدر له "المسرح الشعري العربي" (1986)، و" بحثًا عن التراث العربي: نظرة نقدية منهجية" (1990)، ويليه كتاب "بحثًا عن الشعر"، مقالات وقراءات نقدية. وفي الترجمة صدر له : بوشكين: الغجر وقصائد أخرى (1982)، ماياكوفسكي: غيمة في بنطلون وقصائد أخرى (1985)، كربرشويك: الإبداع القصصي عند يوسف إدريس (1987)، ليرمونتوف: الشيطان وقصائد أخرى (1991)؛ يانيس ريتسوس: اللذة الأولى، مختارات شعرية (1992)، هذه اللحظة الرهيبة، قصائد من كرواتيا (1997)، يانيس ريتسوس: البعيـد، مختارات شعرية شاملة (1997)، سوزان برنار: قصيدة النثر من بودلير حتَّى الآن (مراجعة وتقديم)، 1998/ 2000، جريجوري جوزدانيس: شعـرية كفافي (1999)، دراجو شتامبوك: نجومٌ منطفئةٌ على المنضدة (2008)، شارل بودلير: الأعمال الشعرية الكاملة (2009). قسطنطين كفافي: الأعمال الشعرية الكاملة، وأوديسيوس إيليتِس: له المجـد، يانيس ريتسوس: سوناتا ضوء القمر, وأعمال أخرى نقدية مثل : " المسرح الشعرى العربى 1986م،، كتاب " بحثاً عن التراث العربى- رؤية نظرية منهجية 1990م، كتاب " بحثاً عن الشعر 2010م، كتاب : ما الشعر 2020م ..
ستظل قصيدة النثر ، " قصيدة مقلقة، ذات خصوصية، وذات صخب واشكالات من جانب النقاد ؛ لكنها غدت إجناسية موجودة – ولا يمكن انكارها – على مستوى الشكل والمضمون، ومعمارية البناء اللغوى، وفضاءات الشعرية الكونية الكامنة فيها ، فهى طائر الشعر المحلق إلى الكون والعالم والحياة .
هذا ولا يمكن تجاهل أهمية جيل السبعينات؛ بتجربته الشعرية المميزة ؛التي فتحت المجال لحرية الإبداع، وتعدد الأنواع الشعرية، والخروج من الرؤية الأحادية التي سادت لزمنٍ طويل، خاصة في ظل التحولات السياسية والإجتماعية والإقتصادية التى كانت تسود البلاد منذ عهد الزعيم / جمال عبدالناصر ، وحتى عهد الرئيس / محمد أنور السادات ..
وفى النهاية : لن نجد أبلغ مما قاله رفعت سلام ، وهو يستشرف البداية والنهاية ؛عبر الأبجدية العربية الشاعرة، يقول :
أسيراً؛
أسيرُ
على سُّرَّرَة الأرض،
غابراً ،
كشمسٍ همجيةٍ،
كِسرةُ الهديلِ في فمى،
وخلفى
تصرخُ الأبجديةُ .
نعم نحن نصرخ خلفك، والأبجدية ، ياشاعراً لن يموت في قلوبنا، وفى ذاكرة التاريخ الشعرى الكونى، فمع غياب الجسد البشرى؛ تظل روحك الفيزيائية محلقة في سماء الخلود؛ عبر الكون والعالم والحياة .
2026-04-20
10:33 AM
2026-04-19
11:24 AM
2026-04-16
16:01 PM
2026-04-16
15:49 PM
2026-04-16
11:13 AM
2023-05-21 | 17:12 PM
صور ثلاثية الأبعاد لحطام تيتانيك تحاول البحث في ظروف غرقها