الجمعة 17 ابريل 2026
| العملة | سعر الشراء | سعر البيع |
|---|---|---|
| الدولار الامـريكي | 2.96 | 2.98 |
| الدينــار الأردنــــي | 4.24 | 4.26 |
| الـــيــــــــــــــــــــــــورو | 3.53 | 3.55 |
| الجـنيـه المـصــري | 0.053 | 0.055 |
أسد عزّي*
يتفرّع الحراك التشكيلي الفلسطيني، بتقنياته ومدارسه، ويتشعّب المشهد بأساليبه ومضامينه المتداولة، ناهيك عن مصادر إلهامه وغنى مواده وخاماته، وجدلياته وفلسفاته وجمالياته. إلا أن حالات كثيرة من التجربة المرئية هذه تعاني من فقر الاطلاع والتمكن، وينقصها العمق الفكريّ والوجدانيّ الذي يدفع بالمتلقّي إلى الاهتمام والسؤال ورفعِ الذائقة البصرية إلى أعلى مستوياتها، أضف إلى ذلك افتقار الساحة لنقّاد وباحثين مثقفين قادرين على صدّ تدنّي الذائقة ورفع مستوى السائد، هذا إذا أردنا حقًا أن يكون لدينا ما نمتع به أرواحنا وعقولنا.
في حالتها الصحية السليمة تصبح الاستعارة والتهجين ـــ كميزات ما بعد المعاصرة ـــ مركبات تشكيل بصريّ مثيرة وذات مزاج خاص ومميز وطابع طلائعي جريء ومقدام، حالة يصعب أن تراها في مسارات فنية أخرى. هكذا هي أعمال الفنان الفلسطيني أسامة سعيد، تهمس كنسمة جليليّة معطّرة في أبهى حُلَلِها الربيعية وتلسع كجمر منقل القهوة المرة. لوحات تُبصر بحاسة اللمس وبحسٍّ واعٍ ومدرِك، وترى العالم بجوهره وأبديته لا بتفاصيله السردية اليومية الضحلة.
حالة حتى وإن صحّ وصفها بالتعبيرية التجريدية أو التعبيرية الرمزية إلا أنها بواقع الحال ترجمة مجهرية للواقع، إما بالاقتراب الملاصق للموصوف أو بالابتعاد اللانهائي عنه، وبكلتا الحالتين يتداعى المقروء وتتماهى التشابيه المألوفة، فنقف مشدوهين أمام حقيقة تتفكّك كلما اقتربنا منها أكثر؛ حقيقة تعري نفسها من الهيكل المعرِّف بها وتلتحف جغرافيا كثبانية مكدّسة تعجّ بالألوان والتكوينات على أحجامها وأنماطها المختلفة.
حقيقة فلسفية جدلية، عن معنى وماهية الحقيقة، يحاول أسامة سعيد أن يدحضها بمحاولات سيزيفية متتالية لنيل المراد؛ وهي كذلك محاولات لخلق مسطحات شبه حجرية تتوهج بما تحمله من ذكريات سردية عن إنسان أو نبات أو جماد، وتبقى كلها تضاريس جغرافية ذات مكان وزمان محدديْن، وهي أيضًا ماضي وحاضر أسامة وهي ضميرنا وألمنا الجمعي، وهي الأرض. وقائع بصرية تزغرد ألوانًا من أصفرها إلى بنفسجها، ومن أزرقها إلى برتقالها، ومن أخضر سهولها إلى أحمر شفاهها أو دم شهدائها، وهي تعبير فني راقٍ ومتسامٍ لواقع المفارقة.
في معرضه "سماء مكشوطة" المقام في جاليري بيت مريم، يفرش أسامة سعيد أسطح القماش بمساحات غاية بالجمال المتوعّك، نستجلي هذا إن تأملناها خارج نطاق الرؤية العادية، وإن ابتعدنا عن تجاعيد وأخاديد هذه المسطحات المريخية التي تئنّ تحت وطأة التجربة العتيقة، كما نرى في عمل بعنوان "سماء مكشوطة"، إنها نظرة تستكشف المدى الأزرق اللانهائي في هذه السماء الملبّدة بالمتحجّرات والصخور البركانية والتي عمرها من أزليّة المطلق؛ سماء انكشطت واختلّ كمالها وتمزق نسيج كُحْلِيّها فاندلعت في فرجها برتقاليةُ النيران لتتجمّد إلى جمر أبديّ. ويبقى السؤال معلّقًا إلى حين تتعود فيه العين وتروق البصيرة، ويبدأ الكرّ والفرّ الفكريان، لنستطلع من خلالهما مكامن وألغاز قد دُفنت تحت طبقات كثيفة من الألوان. أطلال تكاد تخفي عن أنظار المتلقي واقعة مصيرية حطمت معالم المكان وشوشت نبضات الزمان؛ انفجار كونيّ هشّم الكلّ الهيولى وصدّع كتلته المثالية، ليبقى أمام ناظرينا بساطة وجمال هذا التكديس النافر وهذا التلاحم بين الروحاني والمادي، كتركيبة اضطرارية في الوجود البشري للمعرفة والإدراك.
كذلك الأمر في عمل آخر عنوانه "صخور في الجليل"، حيث نلاحظ أن شأن التجريد أو المحاكاة منوط هنا بقدرة الفنان على اختراق الظواهر وتجاوز ضجيج التفاصيل الهشّة والوصول إلى الحقيقة. أعمال أسامة هي نوافذ تبث لنا برتابة تكتيكية مشاهد متقطعة أو مشوشة عن قصد ودون ريبة لقطع من الذكريات، الذاتية منها والجمعية، وهي استعادة بصرية لمشاهد تموج بين الجليّ والمنسي، وبين المحسوس والغيبي، وقد تكون عوالم في طور التبلور والتكوين أو ما بعده بكثير، وهي على الأغلب حالة للتموضع والاستكشاف. عوالم مشفرة تحتاج إلى شبكية تركيبية ومخزون معرفي واسع يمكننا من قراءة النص المفقود واجب الوجود.
أعمال أسامة سعيد، والذي يعيش بين ألمانيا (هناك) وهنا الملتهب والنازف والمتقلب، تبدو لغة التشكيل الوحيدة الممكنة حيث أن كل محاكاة أو ترميز للواقع تصبح ملصقات وشعارات خاوية. إنه طرح (وإن لم أدقق في مركباته الجمالية مثل الحركة واللون والشكل والملمس) ينمّ عن قدرة على الترفّع والارتقاء إلى الوجودي الساميّ في ظروف يحاول الكثيرون فيها التشويش والإغراء للهو والدعابة.
أعمال أسامة وميض أمل جدّيّ في حلكة الواقع العربي والفلسطيني، إنها بقع من الأنا الجديدة الثرية والتي تحاول دون كللٍ تعدّي المنظور والمعلوم إلى المبتكَر والخارق، وفهم ومواكبة المعرفة الإنسانية بما فيها الفنية ثم توظيفها بشكل يرفع من مكانة الفن المحلي إلى أعلى المستويات: إلى مستوى فنّ يحترم قدرة المتلقي ويثير التفكير ويستنفر الاهتمام، ويُلزم المشاهد أن يحشد ذاته وقوة حدسه إلى جانب علمه ومعرفته، فنّ آن الأوان له أن يسأل أسئلة صعبة كتلك التي تسألها أعمال أسامة سعيد.
إذًا ماذا ترين أيتها العين وماذا تفهم أيها القلب؟
*أسد عزّي فنان تشكيلي فلسطيني يقيم ويعمل في يافا
** نشرت هذه المقالة في الكتيّب الخاص بمعرض "سماء مكشوطة" الصادر عن بيت مريم
___
الفنان أسامة سعيد
ولد الفنان أسامة سعيد عام 1957 في قرية نحف في الجليل، وهو يقيم ويعمل ما بين نحف وبرلين. درس الفن التشكيلي في الفترة ما بين 1982 و1988 في جامعة برلين للفنون وحصل منها على درجة الماجستير في الفنون. عمل أسامة سعيد في مجال تدريس الفنون مدة عشر سنوات في كلية مركز الجليل في سخنين وفي كلية بار إيلان في صفد وفي غيرهما من المؤسسات الأكاديمية.
منذ بداية التسعينيات شغلت أسامة سعيد العديد من المواضيع التي يستلهمها من المكان ومن طبيعة الجليل الفلسطيني الساحرة، مزاوجًا جماليات المكان مع طبقات من الذاكرة التي تختزل حكاية جدّ الفنان مع النكبة واضطرار أبنائه الكبار، أعمام أسامة سعيد، إلى مغادرتها ــ بعد أن تم إعدام رجال من القرية على أيدي العصابات الصهيونية ــ آملين العودة إليها بعد أن تستقر الأحوال، غير أن رحلة التهجير قادتهم وأفواج من اللاجئين إلى حلب في سوريا. ويبدو جليًّا أن المكان، بطبيعته وحكايات وذكريات ووجدان شخوصه، ثيمة تسيطر على أعمال أسامة سعيد في مختلف مراحل مسيرته الفنية، معالجًا إياها بأساليب فنية متعددة تتراوح بين التجريدية والتعبيرية.
شارك أسامة سعيد في العديد من المعارض الجماعية كان من بينها معرض أُقيم في متحف الفن الحديث في برلين عام 1992، ومعرض بعنوان "الإنتفاضة كفعل في الإبداع الفلسطيني" نظمته وزارة الثقافة في المغرب عام 1991، ومعرض "ذاكرة وهجرة" في صالة العرض للفنون في أم الفحم عام 2012. أقام الفنان الكثير من المعارض الفردية وكان من بينها معرض أُقيم عام 1992 في متحف "إن دير هوفكيليراي" في مدينة مشلشتادت في ألمانيا، وأقام معرضًا فرديًا آخر في المتحف ذاته عام 1994، بالإضافة إلى معرض فردي أُقيم في جاليري أرابيسك في بروكسل عام 1994، وفي عام 2010 أُقيم له معرض فردي في جاليري فينيكس في بوتسدام في ألمانيا، وفي الفترة ما بين 2013 و2014 أقيم له معرض بعنوان "تَفَتُّح الربيع" في صالة العرض للفنون في أم الفحم، أما في عام 2015 فقد أُقيم له معرض بعنوان "حالات فصلية" في جاليري ون في رام الله.
2026-04-16
16:01 PM
2026-04-16
15:49 PM
2026-04-16
11:13 AM
2026-04-15
14:45 PM
2026-04-11
15:11 PM
2023-05-21 | 17:12 PM
صور ثلاثية الأبعاد لحطام تيتانيك تحاول البحث في ظروف غرقها