يا فرحة ماتمت
تاريخ النشر : 2020-09-26 19:48

غفران سليمان كوسا:

لم تكن الحرب الأخيرة في سورية أول مجرم في التاريخ، لكنها وحدها من أجرم بي، تخفت وراء أحلامي لخنقها، وطعنتني بقوة بسكين حادة، هدمت سكينتي، ودمرت ببرودة نارها المتقدة مابنيته من أحلام ، أصرت طمر كل من خبأ في قلبه جنود سلام يريدون وقفها، انبثقت في هذه الدنيا كغصن غض، ولدتني أمي سمراء بلون الفلاحات بعد الحصاد، ارتفع جسدي فصرت طويلة قطفت القمر مرات هدية لمن سكن قلبي، مات أبي في طفولتي الأولى وافتقدت صوتا خشنا كنت أهوى موسيقاه.

استُعْمْر قلبي في عمر السابعة عشر، بأسلحته الفتاكة أوقفني شاب على طريق المدرسة يسألني عن الساعة، كان سؤاله طعم أمسك بي، احمر خديّ كأنهما لطخا بدم شهيد أصابته في اللحظة رصاصة غدر؛ ابتسم فظهرت لي إسوارة من اللؤلؤ ، كان واثقا من مفعول تخديره وقدرته على اقتحام جدران قلب شابة لم يطرق بعد... اختصر مراحل كثيرة وطلب موعدا...

- أعرفك قبل اليوم وأعتذر أولا لأنني على علم بأنها الساعة الثانية عشر قبل دخولي قلبك، الربع بعد منتصف الطريق الذي مشيته للكلام معك...

وسرد علي مالا أعرفه عن نفسي من تفاصيل...

- ببراءة وخجل وهيبة وذكاء بكل كياني قلت: سأفكر قبل انقضاء الوقت. لكنني في نفسي علمت أنني حتما سوف أذهب..

ضحك رامي وتركني لأشكك في اتجاه باب المدرسة الذي عرفته لأحد عشر عام دراسي...

في صباح يوم الجمعة الساعة الرابعة، وخمس وعشرون دقيقة وخمس عشرة ثانية بعد الظهر في العام 2013 خرجت من بيتنا في أول موعد وكنت أرتجف عندما قلت لأمي

: عندما أعود سأخبرك إلى أين أنا ذاهبة ثقي بي وادعي لي.

جمعت ما استطعت من حمام عذوبتي، وذهبت لموعدنا الأول، امتلأ جسدي بهرمون السعادة وتحولت على طريق العودة فراشة لا ترى الطريق، ولم انم لكنني كلما أغمضت عيني لمحته بكليته يسكنهما...

تكررت لقاءاتنا، في الحلم والحقيقة كلما عاد بإجازة . علمت أمي بشغفي، وبتغير أحوالي ، ولم تخفي عني قلقها بأن يؤثر انشغال فكري وقلبي على تحصيلي الدراسي.

وعندما أكدت لها أنه مهتم بدروسي، وقرأت بخبرة إمرأة أن الرفض لن يحررني؛ طلبت أن يدخل من الباب وقالت بحزم وابتسامة كأنها لا تصدق أنني كبرت، وأن طفلتها الصغيرة حشرتها في زاوية قلبها، لتجعل فتى أحلامها يتمدد فيه بحرية، ويشرف على سريان الدم أوردتها ، وله فقط يرتجف النبض فقالت :

أعلم ابنتي أن سنة الكون أن تنتصر الأنوثة في كيانك المليء بالجمال والهرمونات والتكوين وتأسرك هذه العناصر كلها وتجمعك بشاب تنجذبين إليه بفعلها.

ضحكت وقلت أمي: هذا الكلام تشرحينه بالتفصيل لطلابك في حصة الكيمياء، أما أنا ببساطة، وجدت فارسي وفرسه الأبيض ينتزرني خلف الباب ليركض بي إلى أحضانه ...

- جيل يهوى السرعة، تعرفت بوالدك و تزوجنا بعد تخرجنا، وتعرفت عليه كزميل لي يدرس الرياضيات ، ودخلت مدرسته كمعلمة جديدة للعلوم العامة ، على كل حال لقد تحدثت نعي عبر الهاتف زميلتي الأستاذة هند مدرسة اللغة العربية، وأخبتني برغبة أهله التقدم لخطبتك لكنهم يخافون الرفض بسبب صغر سنك، وضرورة اتمام دراستك، وأخبرتني أنه قريبها ، وقالت هند: رامي شاب مهذب وهو ضابط في الجيش، وأمن له أهله مستقبله ببيت، ويمكنه أن يقدم لك ماتتمنينه في هذا العالم المادي، الطي يعتمد على المال كعكازة عجوز يقع أرضا وتدوسه الأرجل دونه.

تابعت أمي كلامها لا مانع عندي كمسؤولة عنك بعد وفاة والدك من أن يتقدم ويخطبك، ولا يتم الزواج إلا بعد دخولك الجامعة، ولا مانع من زواجك، وتكملينها كنساء كثر لم يمنعم الزواج ، ولا الأولاد من تحقيق أحلامهم في التحصيل العلمي .

-فرحت كثيرا وقلت سأخبره بموافقتك

-أرى أن عقلك ذهب معه ولن يدخله علم ولا شيء إلا وهو معك....

كانت أجمل الأيام ذلك العام والنصف من السعادة المسروقة من كل سواد العالم،

عندما امتحنت في آخر مادة كان الحميع يتجهز لعرسي .

العرس الحقيقي بدأ بعدما اختفت مظاهر الفرح وذهب الجميع وبقينا وحدنا، ملكني الكون :

غنيت له حتى الصباح ، واستمرت إجازته لعشرة أيام. عشر قرون من بالسعادة

، في الصباح ضبضب حاجاته وخبأ عني دمعته فقويت على صدره، وقلت ودموعي تسبق لفظي: لتحرسك أسراب النور، ولتعود لي سريعا، لأخيط لك من الليل ثوب السعادة، ولأطبخ لك من القبل أشهى الأطباق، ولأنام معك على أمل بناء أسرة كبيرة بحجم وطن... انتظرت قدومه لأحلق معه على قمم الفرح.

عاتبت الطريق، صممت عن شيء إلا رنين الهاتف الذي يحمل صدى عشقه، ويرد له ولهي،وشغفي واشتياقي.

تسلقت أشعة النور لأصل إليه و يعطيني تلك الغمرة التي ماعرفت في الحياة ما يملأني بالكمال، ويدخلي جنة أجمل من تلك التي نحرم أنفسنا من كثير من ملذات لندخلها، أو ربما هي ساعات نكافأ بها حقيقة في جنة السماء .

في حضوره وغيابه تتصاع خلايا جسدي له فيفرز هرمونات السعادة و من فرطها أمنح منها ما يكفي الكون.

في كل ذكرى لي معه نشوة حقيقية تعيد لي فرحة أول فستان ، والمرحة الأولى ،.

أخبرني منذ أيام عبر الهاتف أنه سيكون معي في عيد ميلادي ونحن في آب، لكن ميلادي في أيلول، غضبت من أمي لماذا تأخرت في إنجابي، ولو فعلت لكان اليوم قد جاء،

..رأيت العالم من شرفته كما يراه اليمام بيوت وأعشاش، وطعام، عندما اقترب الموعد أُصبت بفرط نشاط بغدد الحب كالعادة..

رأيته في الحلم مرارا يأتي ويغادر وفي كل ليلة كان يودّعني في غمرة نبيذه الجليل، يعيد ما قام به مرارا كشبه وداع. فقد كان عاشقي يقرأ الغد بمعجزة العارفين النورانيين.

وكلما أنام وأصحو ألملم روحي من مشهد العشق بعد أن أتأكد من أن ماعشته حقيقة لا خيال ، وأنه واقعي ولو تأخر فإن مجيئه مسألة غروب، وشروق لا غير وهو مستعحل مثلي وسيطوي الطريق، لكنه سيصل!،

ويعيد إلى جسدي صبوة ناره، واشتعالي بها، وكلما سمعت ريحا تهب خلف الباب ركضت نحوه لأقول : وعدتني أنك ستعد خطوات العودة بالثواني، ولن تخذلني...

تأخر يومين عن عيد ميلادي.

سمعت أخيرا كما تسمع الأخبار: استشهد رامي في تفجير استهدف المشفى الذي كان فيه مصابا منذ يومين... كل الناس والشارع وأهلي اكتفوا بالترحم عليه، لم يف رامي بوعده لأول مرة...

بدأت قصته معي ويقولون بل يؤكدون أنها انتهت، هبطْت من برج السعادة إلى وادي سحيق من الخيبة.

هل أصبح واقع أعيشه غيابي عن السعادة:، فرقنا قول الله، الموت: ذلك اللفظ الهين الرهيب .

لكن الله ترك لي شعاعا بأن أحيا بي ماء الحياة الذي أراقه رامي ليلة ما من الليالي العشر... تخللها بعض المتطفلين المحبين...، لكن الله أيضا سمح للحرب بأن تقول كلمة القهر الكبرى، غادرني على الأمل، وغادرتني السعادة على أمل إياب، لم تنفعني الساعات التي قضيتها أردد كل ما حفظت من تراتيل وآيات، فقد تأكد خبر اصطياده من قبل وحشية هذا الزمن العابث، لم يكن وحده فقد كان المشفى يعج بالاطباء والمرضى والزوار وكلهم عشاق مثلي ومثله، تنتزرهم حمامات سلام، وتركوا باستشهادهم ندوب بكل معارفهم، وخراب كبير ، وتدمير أر كان أمهات وزوجات مازلن يعشن على الأرض، تراقبهن

هناك في السماء أرواح من يبحثون عن موطن ينمو فيه الحب، فقط الحب ولا يقتلعه أحد.

رحمي المغفل لم يتوقف كفرحي و كبر ثم كبر...

... اليوم في عيد ميلاد رامي الصغير الرابع أتابع نموه، وحركاته، وأمنياته بكثير من الخوف والرهبة من تعقيدات هذه الحياة المليئة بالحروب والأوبئة.