"أعواد ثقاب" رواية للكاتبة الفلسطينية بشرى محمد أبو شرار
تاريخ النشر : 2015-08-31 17:01

الروائي عبدالله تايه:

أثناء عمل قهوة الصباح تملأ ركوة القهوة ماء، تأخذ علبة الثقاب وتسحب جارورها ،تأخذ عودا تشعله، تتوهج عيون النار التي أشعلتها بعود الثقاب، وتظل تلاحظ الركوة حتى تنضج النار قهوتها ، بهذاتشير الكاتبة إلى الحياة التي عاشتها على أرض الوطن، وهي أحداث تمور بصراع شديد وتقلبات يومية،تضطرم فيها نفس الكاتبة بذكريات عن حياة قاسية لوطن محتل يحترق أصحابه يوميا كأعواد الثقاب كي تجيء الحرية ، وأعواد الثقاب تأتي دلالة اشتعال وتوهج متقطع لكنه مستمر ، تشتعل الذكريات ويثور الفعل الوطني ثم ينطفيء ليعود يشتعل، وهكذا هي محطات الفلسطينيين مستمرة تهدأ لتعود بعد وقت من جديد، لأن الهدف هو وطن حر، ونفس ذات همة عالية ،وأحلام بحجم الدنيا،فالرواية ليست عودا واحدا سرعان ما يتلاشى وهجه لكنها أعواد ليس لها إلا الاستمرار.

صدرت رواية (أعواد ثقاب) للكاتبة بشرى أبو شرار في طبعة خاصة عن ندوة الإثنين بالإسكندرية، هذه الندوة الدائمة التي يشرف على إقامتها الكاتب عبدالله هاشم ، وأهدت الكاتبة روايتها( إلى أمي الشريفة .. فهي فلسطين) .وبشرى من مواليد مدينة غزة ليسانس حقوق ،مقيمة بالإسكندرية وتعمل بالمحاماة ،أخت الشهيد ماجد أبو شرار ، وجعلت بشرى روايتها "أعواد ثقاب" ثمان وعشرين عودا هو عدد فصول الرواية ،وسمت كل قسم عود ثقاب، فمن العود الأول إلى العود الثامن والعشرين وهي فصول الرواية التي بلغت 288 صفحة من القطع المتوسط.

حين رأيت لوحة الغلاف واسمها (مادلين في تأمل أمام القنديل) ، وجدتها لوحة ذات اسم معبر يلتقي مع اسم ومضمون رواية بشرى، اللوحة للفنان التشكيلي الفرنسي جورج دي لاتور الذي عاش بين القرنين السادس عشر والسابع عشر (1593 – 1652) ، برع هذا الفنان في رسم البورتريه ، وتميز بقدرة إبداعية فائقة ومرهفة في استخدام ضوء الشمعة ،سواء كانت بمفردها أو مثبتة في شمعدان أو فانوس، فهو (ضوء) رهيف شفاف يكشف عن القلق والحزن الإنساني، وحالات التأمل في لهب باهت في آخر الليل ما يتلائم مع الأجواء الحزينة للرواية ، إن صورة سيدة الغلاف في اللوحة تبدو حائرة حزينة، تنظر إلى لهب ونور الشمعة التي تصارع لتضيء بعض جوانب اللوحة ،وألوانها الأسود والأحمر والأبيض، وهذه الألوان لها دلالات عند الكاتبة لأنها موجودة في العلم الفلسطيني .

إن الكاتبة في سردها لروايتها توشك أن تتماهى مع سيدة الغلاف في حزنها وحيرتها. فالكاتبة تقيم في الإسكندرية وتقص علينا رحلة والدها بعد حرب 1967 إلى بلدة (دورا) قضاء الخليل التي ولد فيها، هكذا الهزيمة جعلت الجغرافيا الفلسطينية أقرب منالا، فيذهب والدها المقيم في غزة إلى دورا الخليل بالعربة عبر فلسطين المحتلة ، صار الوطن كله محتلا بعد الحرب ،والناس يزورون بعضهم ، اللقاء جاء بشكل غير منتظر .. لقاء الهزيمة التي وحدت الفلسطينيين على أرضهم ،فانفتحت الحدود من غزة إلى بئر السبع ثم( دورا) فيرى والدها النقب والقدس والفالوجا.حيث كان والدها قد لجأ من جبال الخليل (دورا) إلى غزة ،كان مثالا للمحامي الذي دافع عن حقوق الفلسطينيين المقاومين المسجونين في سجون الاحتلال ، يزورهم ويترافع عنهم ، ويقدم لهم ما يستطيع . في هذا الجو الثقافي الواعي والوطني خرج ماجد الكاتب الشهيد وبشرى الكاتبة التي تسجل في كتاباتها ألم ومعاناة وأحلام شعب يرنو إلى الحرية.

تعتمد الكاتبة في بناء روايتها وسردها الروائي على أن كل عود ثقاب هو بمثابة قصة قصيرة وافية الأركان في فنيتها، وهذه القصص يربطها الجو العام، والأحداث، والمواقف، وفعل الشخصيات ،وحركتها، وتناميها ،وتمسك بخيط ينظم كل هذه القصص في وحدة حال ومناخ وسرد فني يشكل رواية كاملة ،غنية بأجوائها ،ولغتها ،وشخصياتها، وإنسانيتها، ومضمونها، وأفكارها الواضحة في ذهن الكاتبة، مما أضفى على القراءة جوا إبداعيا متقنا وجاذبا.

بدأت روايتها بزيارة غزة بعد غياب طويل ، تمر بها العربة على طريق صلاح الدين ،فتلاحظ الأماكن من معبر رفح حتى تصل بيتها قرب مسجد فلسطين في غزة ، تلاحظ دوريات الجيش، وشعارات الجدران، ومقاومة الفتيان، والأسيجة الإلكترونية، ومستعمرة غوش قطيف ونتساريم ، ومخيمات اللاجئين على جانبي الطريق،وفي ذات الليلة التي وصلت فيها وقبل أن تستريح يأتي خبر كسر ساق ابنها الذي تركته في الإسكندرية وأن عليها أن تسافر في الغد عائدة قبل أن تستريح أو ترى أهلها وبلدها.

يحاصرك الحزن وأنت تقرا الرواية منذ فصلها الأول ،بل منذ سطورها الأولى ،فالوطن صار كما جاء اسم الفصل الأول أو عود الثقاب الأول (وطني قطعة جبن مثقوبة)، ترى ماذا ستقول بشرى لو أنها جاءت اليوم ورأت ما يقوم به الاحتلال من عزل وحصار وتمزيق للجغرافيا وزارت غزة ودورا في الضفة التي امتلأت بالمستوطنات والمستوطنين ؟هل ستسمي الفصل (وطني صار مجموعة ثقوب)؟!

إنها تأتي في روايتها على حياة تصطرع بتقلبات قاسية ،وتضطرم بذكريات حزينة لوطن يحترق أصحابه يوميا بنار الاحتلال، والحصار، والتواريخ الحزينة ، والمقاومة التي تتصاعد وتخبو على مر سنوات طويلة من التاريخ الفلسطيني دون كلل ولا يأس حتى يجيء يوم الحرية.

تستخدم الكاتبة أنا المتكلم في سردها لوقائع الرواية، إنها تأخذ دور الراوي، وتمازج بين الحوار والمونولوج الداخلي والرجوع للماضي (فلاش باك) في لغة مختارة ؛ذات رهافة وحزن ورشاقة وإنسانية ، فيها معاني الرفض ، وصدق التعبير عن المعاناة ،وذات دلالات كثيرة تشكل منظومة منسجمة مع أفكار الكاتبة وقصها ، فهي عمدت إلى التنويع في أساليب السرد الروائي، والمتأمل في الرواية يرى أنها ذات مضمون إنساني ووطني ، إنها تكاد تكون سيرة ذاتية، بل هي سيرة لمدينتها غزة التي تحبها وتعشقها وتربت فيها .

إنها لم تكن رواية عود ثقاب لينطفيء وينتهي الأمر ، إنها "أعواد ثقاب"، فهي رواية الفلسطيني على أرضه، وهي حكاية الفلسطيني المطرود من وطنه ، الدائم الترحال رغم أنفه فلا يعثر على الهدوء ولا على الأمن ولا الاستقرار ،إنه الفلسطيني الذي تفرض عليه الوقائع حياة اضطراب مستمرة ، فالحزن يحاصر القارئ منذ السطور الأولى حتى النهاية ،إنه حزن المكان ،وحزن الشخصيات، وحزن الأحداث.

والرواية تذكرني بما كتبناه في الرواية الفلسطينية والقصة القصيرة أنا وزملائي الكتاب في غزة؛ كتبنا كثيرا عن المخيم،وقليلا عن المدينة، أما بشرى فجاءت روايتها كاملة الأحداث في مدينة غزة التي عاشت فيها . إنها رواية مدينة غزة خلال فترة تاريخية قبل حرب 1967 وبعدها، بكل مناخات الرواية الإنسانية والمكانية والتراثية.

أعطت المؤلفة الكتابة جمالا للغة الرواية حين تقمصت شخصية الراوي، واستخدمت أنا المتكلم ، بلغة سهلة جذابة ذات حساسية مشوبة بألفاظ الحزن والرفض ، لغة إنسانية فيها انفعال صادق، وتعبيرات ذات دلالات ،وهي تبدأ في معظم الفصول بداية تقودها إلى الماضي ثم تعود في نهاية الفصل إلى ما بدأت به.وتأتي على زيارتها للبحر الميت ، ومدينة غزة الشهيرة بصناعة الفخار ، وهدم بيتهم في مشروع عامر، ومدرسة المأمونية ، ومدرسة الشهيد مصطفى حافظ،، ومدرسة فلسطين ، ومدن فلسطينية منها يبنا والمجدل ويافا واللد ، وعائلات من غزة مثل الريس وأبو رمضان وأبو شعبان ، وحظر التجوال، والحواجز، والحصار ... وتظل تعود بالأحداث والحكايات والشخصيات إلى نتائج هزيمة حرب 1967 ، وتذكرنا بأن يوم رحيل والدها عن الدنيا كان يوم استشهاد يحيى عياش ، ثم رحيل أختها أسماء إلى أمريكا دون أن تتمكن الكاتبة من الحصول على فيزا لزيارتها.

في الفصل الأول تستخدم لغة الراوي بأنا المتكلم ممزوجة بالمونولوج الداخلي ، وفي الفصل الثاني تبدأ بحدث في السطور الأولى ثم تنتقل إلى الماضي لتعود لتنهي ما بدأت به الفصل، وفي فصل"صيف غزة" تتحدث عن هزيمة حزيران ودخول قوات الاحتلال الإسرائيلية إلى غزة ، والرواية ذات مضمون وطني وإنساني تتناول فيها الكاتبة تجربتها الشخصية قبل وبعد الحرب من خلال الأحداث والأماكن في تفصيل جذاب للحياة في غزة بعاداتها وتقاليدها وتراثها ورفضها للاحتلال..

إن سيرة الكاتبة في روايتها سيرة غنية نجحت في سرد وقائعها فصارت سيرة مدينة غزة ، بل سيرة الفلسطيني في كل مدينة فلسطينية، تأتي بتفاصيل المكان الذي تدور فيه روايتها، فمن غزة ورفح ومشروع عامر وحي الشيخ رضوان والخليل ويافا والبريج وحارة الفواخير وحي الرمال ووادي غزة والمستشفى المعمداني ومدرستها التي درست فيها وهي مدرسة القاهرة الإبتدائية ،والآن تعيش في الإسكندرية وفي غزة درست في مدرسة القاهرة الإبتدائية في حي الرمال، إنها مفارقات حقيقية وليست رسما روائيا .. ومدرسة القاهرة لا تزال موجودة ، وتسمية المدرسة بهذا الاسم دليل على عمق العلاقة بين فلسطين ومصر والتي سنأتي عليها فيما بعد..

وعناوين الفصول هي عناوين الحكاية الفلسطينية ،وحين تقول "وطني قطعة جبن مثقوبة"فهذه إشارة إلى تغوّل الاستيطان في غزة والضفة، ولا يزال الصراع على أشده في الضفة بين أهل الأرض وأطماع الاستيطان.وفصل "صيف غزة" حول هزيمة حزيران، وفصول "ليل غزة الحزين" و"نسمات قدسية"و "الصبار" ... وكل عناوين فصولها إشارات واضحة للهم الوطني الممزوج بالتجربة الشخصية .

ترى ما أثر التنشئة الأولى على الكاتبة بشرى ؟ فهي أخت المناضل والكاتب الشهيد ماجد أبو شرار الذي اغتالته يد الغدر ، وهي بنت المحامي المعروف في غزة المرحوم محمد أبو شرار اللاجئ السياسي ونقيب المحامين والمدافع عن قضايا السجناء في سجون الاحتلال ، في هذا الجو الوطني الإنساني ذو الصبغة الثقافية الواضحة نشأت وتربت وتشربت معاني الاحتلال والمقاومة والحرية من بيئتها الأولى ، عرفت قيمة الإنسان، وعانت من ممارسات الاحتلال حين سقطت غزة والضفة والجولان وسيناء في عدوان حزيران تحت قبضة المحتل ،فجاءت كتاباتها ممزوجة بألم كبير ،وحنين إلى غزة الحرة، وفلسطين المستقلة ، وحب الإسكندرية، ومصر، وعبد الناصر، فسخرت أدواتها الفنية ولغتها للتعبير عن هذا الصراع وهذه الأحلام وهذا الحب.

وفي سردها لوقائع روايتها تأتي على شخصيات حقيقية بل تكاد ترى أن كل شخصياتها حقيقية من أخيها ماجد ووالدها المحامي ورئيس المعهد الديني الشيخ محمد عواد وغيرها من أسماء عائلات غزة ، واستخدمت كثيرا من الإشارات التراثية الفلسطينية مثل: الجنيه الفلسطيني الذهبي من أيام القسطنطينية ، والزعتر، وزيت الزيتون، وطائر الشنار، ودالية العنب ،والغدفة وهي غطاء الرأس للسيدات، وصناعة الفخار التي اشتهرت بها غزة.

كان المد القومي زمن جمال عبد الناصر هو الذي رفع اسم فلسطين عاليا وكل القضايا الوطنية والقومية ، والكاتبة تعي تماما هذا الارتباط الحميم ؛السياسي، والقومي ،والجغرافي، والتاريخي، والاقتصادي، والنضالي، والعائلي، الذي ربط بين مصر وقطاع غزة ؛ بين الأهالي والمناضلين المصريين والفلسطينيين ، فيلاحظ قارئ الرواية هذا الرباط المتين في أحداث الرواية من خلال ذكر الأماكن والأشخاص والتأثيرات ، وهي تشير بشكل إيجابي واضح وقوي وصادق إلى عمق هذا الترابط المميز لهذه العلاقة ، إذ تتحدث عن الجنود والضباط المصريين الذين كانوا في غزة، وتفرد فصلا كاملا لوفاة الزعيم جمال عبد الناصر ،ومظاهرات غزة التي اندلعت يوم وفاته وأصيب فيها عشرات الفلسطينيين برصاص الاحتلال الإسرائيلي ، وتأتي على علاقة والدها مع رفيق دربه المصري محمود رياض ، وتذكر خط بارليف ،والعبور في حرب 1973 وانتصارات الجيش المصري ، ومحطة سيدي جابر بالإسكندرية ،واستشهدت بخطاب الرئيس جمال عبد الناصر في غزة في العشرين من مارس سنة 1955 والذي قال فيه "لن ننسى فلسطين أبدا".

ومنذ بداية روايتها تسرد قدومها إلى مصر وتعليمها في كلية الحقوق بالإسكندرية وزواجها من مصري زميل دراستها في كلية الحقوق بالإسكندرية، وتسرد في عودتها لزيارة غزة بعد غياب طويل ما حدث من تغير على الطريق حتى وصلت منزلها في غزة ، وهي لكل هذا وغيره تشعر بالخوف الدائم من استمرار الغربة فتسمي الفصل الأخير (قد نموت بعيدا).

إن رواية "أعواد ثقاب"للكاتبة الفلسطينية بشرى محمد أبو شرار المملوءة بالأحداث والذكريات واللمسات الفنية والسرد الحزين ؛هي إضافة للرواية الفلسطينية التي سجلت ووثقت فترة حافلة بالأحداث في قطاع غزة ومصر، وهي بمستوى لائق من الإبداع والفن والجمال ، وإذا كانت مسحة الحزن لا تنفك تصدمنا في الرواية فلأن التجربة حزينة، بل وتزداد التباسا الآن بعد مجمل الأحداث في فلسطين والمنطقة العربية، إذ بعد سنوات من صدور الرواية تداهمنا في المنطقة العربية من الأحداث الكبار ما يؤكد صدق ما ذهبت إليه الكاتبة وكل الكتاب الفلسطينيين من تخوفهم من المستقبل .