: الربيع العربي لم يزهر الا " كراهية وارهابا " ..
تاريخ النشر : 2015-08-09 11:13

القاهرة – " ريال ميديا": 

مسكونة بالهم الفلسطيني .. قطعت الكاتبة الصحفية جيهان فوزي رحلة مهنية وإنسانية ، تجاوزت العشرين عاما ، خاضت خلالها غمار العمل الصحفي والإعلامي في مصر ، متنقلة بين صحف مصرية وعربية ، حكومية ومستقلة ، لترسو أخيرا في ميناء المقال الصحفي كاتبة ومحللة ..

"شبكة الصحفيين العرب" التقت جيهان فوزي وطرحت عليها عددا من التساؤلات حول  الملفين المهني والسياسي ..فكان هذا الحوار

حوار: أشرف شحاتة

 ** بداية..ما الجديد لدى الكاتبة الصحفية جيهان فوزي؟

احلامى تبدأ وتنتهى بالامل فى انجاز المشروع الوطنى الفلسطينى , ولا اخفى عليك لدى الكثير من المعلومات والمادة الاساسية لمشروع كتاب يتحدث عن الانتفاضة الاولى وما تلاها من احداث افضت الى اوسلو وغيرها من اتفاقات اوصلتنا لما نحن فيه ، لكننى لا اشعر برغبة ملحة فى الكتابة الآن ، ربما فى وقت لاحق

** حصلت علي  الجنسية المصرية  منذ ١٥ عاما..لكن بقي  تأثير النشأة  كفلسطينية عليك ككاتبة؟

ــ عائلتي  أصلا من يافا ، تم تهجيرها  عام 48 واستقر بها المقام بعد رحلة عذاب مضنية في غزة حيث ولدت هناك واكملت دراستى الثانوية فيها .

 اما عن التأثير فحياة الفلسطينى بشكل خاص تختلف فى تكوينها النفسى والانسانى عن الآخرين بحكم الظروف القاسية والنشأه التى وجدوا أنفسهم بها دون أن يكون لهم خيار فيها،  فى الجامعة لم تكن الحياه سهلة أوبسيطة أو حتى مكانا للتعليم فحسب , كان يربط الطلبه هم واحد على اختلاف توجهاته وهو الاحتلال والقضية الفلسطينية , فكانت السياسة هى المحور الاساسى الجامع للطلبة , ولا ابالغ لو قلت لك أننا ولدنا ناضجين وكانت مفردات السياسة بتعقيداتها هى الهم الشاغل لمعظم الطلبة , ومن هنا تشكل الوعى فلم نعش حياة مرفهة بل كنا نتحمل المسؤولية بشكل مفرط, ولعل هذه النشأة الخشنة جعلت منا أشخاصا ناضجين قبل الأوان نقرأ ونطلع على ثقافات الآخر وفى الوقت ذاته مهددين بالاعتقال والتنكيل من قبل الاحتلال فى كل لحظة .

** مابين الوطن والموطن..صراع مرير، وخاصة عندما يكون الصحفي صاحب قضية، ويكون الوطن فلسطين..كيف تعايشت مع الامر  طوال هذه الفترة، وانت بعيدة عن وطنك؟

ــ دائما ما كنت أشعر بالاغتراب النفسى    والحديث عن الوطن حديث ذو شجون ،  وأنا بشكل خاص كنت دائما معلقة الجسد فى الموطن الجديد مصر والروح محلقة دائما فى سماء الوطن , لا تفارقنى أخباره والأحداث الجارية فيه , كنت أشعر بتأنيب الضمير فيما لو انحرفت البوصلة ولم أكتب عن الهم الفلسطينى ووجدت نفسى تلقائيا أتخصص فى الكتابة عن الشأن الفلسطينى , وهذا شكل بعض التوازن النفسى في أعماقى , أنا شيفونية بعض الشئ و الوطن  حاضر دائما فى وجدانى , حتى اختياراتى فى الكتابة الصحفية كانت دائما محاورها تبدأ وتنتهى بالهم الفلسطينى , سواء كانت الكتابة فى مجال الفن أو الأدب أو السياسة , حتى استقر اليقين وتخصصت فى الشأن الفلسطينى وتغطية الأحداث المتعلقة بالقضية  لا أدرى لماذا , لكننى كنت دوما أشعر بالحنين لهذا الوطن الضائع بين مخالب الاحتلال والتآمر عليه من كافة الاطياف .

**هل الكتابة وحدها عوضتك عن الاغتراب النفسي في مصر؟

ــ الكتابة دائما لغة تعبيرية قوية أحيانا كثيرة تشبع الروح أكثر من الفعل ذاته , لكن فى حالتى كان هناك دوما شئ ينقصنى , فكنت كثيرة السفر للارض المحتلة أمكث فيها شهرين تقريبا كل عام ،  رحلات  عمل واستجمام وزيارة للاهل والأحبة , كانت تحدث بعض التوازن , لكن بعد الانتفاضة الثانية للاسف انقطعت صلتى بالوطن للظروف التى نعرفها جميعا , آخر زيارة كانت لى عام 2000 ومنذ ذلك الوقت وأنا فى حالة وجد واشتياق دائم لزيارة الأهل والاصدقاء لكن دائما هناك عوائق

**التراشق الاعلامي، ولهجة التخوين من البعض بين مصر وفلسطين او بدقة اكثر فصائل معينة في فلسطين..كيف ترينه ؟

ــ للاسف الشديد العلاقة بين مصر وفلسطين اصيبت بعطب قاتل ، بعد الثورة ،  ثورات الربيع العربى اظهرت اسوء مافينا ، القبح الداخلى الذى كان يستتر تحت شعارات براقة فارغة المحتوى ، فى لحظة الحقيقة لا شئ يظل مخفيا .

حركة حماس وهى المعنية بسؤالك اساءت لنفسها قبل شعبها بتضامنها العلنى والمستتر  مع جماعة الاخوان فى وقت احوج ما يكون فيه الفلسطينيون للتعاطف الدولى والعربى ، حماس بتصرفاتها اضرت الشعب الفلسطينى وقضيته الام التى توارت عن الاضواء واصبحت مجرد خبر صغير فى ركن مهمل وسط الحالة المرتبكة التى نعانى منها الامة العربية ، وكانت النتيجة عقاب للشعب الفلسطينى كله . لا استطيع ان اعبر عن اندهاشى الشديد من الخلط الواضح الذى اراه واسمعه من المصريين ومدى الكراهية غير المبررة لكل ما هو فلسطينى . هذا الخلط بين شعب مكلوم محاصر وحركة او فصيل ينتمى لنسيج هذا الشعب اساء لمصر بقصد او بدون قصد ، لقد اعيانا التوضيح عبر وسائل الاعلام وغيرها بان الشعب الفلسطينى لا يمكن اختزاله فى حركة وحماس وان سلوكها وتوجهاتها نابعة من معتقدها الدينى وليس كونها حركة مقاومة فلسطينية ، واكبر دليل على ذلك جماعة الاخوان المسلمين فى مصر وما ترتكبه بحق ابناء جلدتها من مجازر لا زال صداها حتى الان يرن فى الاذان . هذا الخلط غير المسؤول اضر بنا كشعب وقضية واساء كثيرا للعلاقة التاريخية بين مصر والفلسطينيين ، حماس لا تعبر الا عن نفسها فلماذا يعاقب الشعب بجريرتها ، الا يكفيه ما يعايشه  من حصار وقهر واعتقال وقتل وتهجير منذ اكثر من ستين عاما !؟ هذا الحقد الذى بدأ يظهر بوضوح فى وسائل الاعلام وبين المصريين والتعبئة والشحن ضده لا تخدم سوى اسرائيل ومن والاها

** ككاتبة فلسطينية مصرية..كيف ترين الخروج من هذا المأزق؟

ــ حالة الشحن والغضب التى سيطرت على الناس افقدتهم القدرة على التمييز واختاروا الحل الاسهل بالتعميم ، حالة الاختزال هذه لاقت قبولا لدى قاعدة عريضة من الشعب المصرى لاسباب عديدة منها سوء التقدير ومنها الجهل بالوضع الفلسطينى المعقد ومنها عدم المعرفة ، كنت اندهش جدا من تعليقات عديدة على الفيس بوك مثلا تحمل مغالطات تاريخية شديدة لمسار القضية الفلسطينية وحركات المقاومة، لاحظت فيها جهل مخز بالتاريخ ، واجتزاء لاحداث تاريخية من سياقها الاصلى والغريب هذا الاصرار على تصديق ما يكتب .

الكاره مدفوعا بما يتلقى من معلومات واخبار صحفية مبتورة ومضللة تزيد من حالة الشحن والغضب داخله وله عذره !

لكن هناك مسؤولية كليرة تقع على الاعلام بتوخى الدقة والحذر فى نشر الاخبار والمعلومات غير مجتزأة من سياقها والتوضيح الشامل للرأى العام بمنتهى الامانة دون تحيز ، الموضوعية مطلوبة فى هذه المرحلة الحساسة من علاقات الشعوب ببعضها البعض ، ليس من مصلحة احد ان تستشرى حالة الغل بين الشعبين ، التاريخ فى النهاية سيقول كلمته ولا يصح الا الصحيح .

كفانا مغالطات واستهزاء وللاسف تأتى من الطبقة التى تسمى نفسها بالنخبة وهى ابعد ما تكون عن ذلك ، النخبة بمفهومها العلمى هى التى تحلل الاحداث بأسلوب علمى محايد وليس السير فى الركب والتعتيم على الحقيقة لمجرد الحصول على مكاسب شخصية ، يكون ضحيتها فى النهاية مصير شعب يرتهن بمزاج واهواء كل من هب ودب تحت عنوان محلل سياسى وخبير استراتيجى !!

** لك تجارب في صحف عدة، ايهما اقرب اليك؟

- صحيفة القدس العربى الصادرة من لندن، لانى ساعتها كنت متخرجة  حديثا سنة 90 وحاولت اظهار مهاراتى الصحفية ، ساعتها استاذ حسنين كروم شجعنى جدا وتنبأ لى بمستقبل كويس فى الصحافة وابتسم وقالى بس مرتباتنا مش سخية .

اذكر اننى كنت اتقاضى على الموضوع ما بين :5 3 , 40 جنيه مصرى بس كنت فرحانة بهم جدا لانها صحيفة محترمة ودسمة وتحترم عقل القارئ !

** المقال الصحفي .. لون  برزت فيه اكثر من غيره ..ما السبب؟

ــ الحقيقة انا عملت فى كل التخصصات ،  الحوار والتحقيق والتحليل السياسى والتقرير ، لكن اكتر حاجة احسست انها تعبر عن ذاتى وامكانياتى الادبية واللغوية و تخرج الطاقات الابداعية الكامنة داخلى هو المقال ، لانه ببساطة يعبر عن صاحبه ويخرج اسوأ واحسن ما فيه بحسب الحالة التى تملكته لحظة الكتابة ، بالاضافه الى ان كتابة المقال تتحتاج الى حرفية ومهنية ومعلومات اكثر وفى مرحلة ما يشعر الانسان انه استكفى من الانتشار المتعدد المجالات واكتفى بمجال واحد يحقق ذاته ويكمل مشروعه المهنى والانسانى .

** ما المقال الذي لم تكتبه بعد الكاتبة جيهان فوزي ؟

ــ مقال يتحدث عنى بكل ما عايشته فى مشوارى المهنى

** وما الذي يمنعك من كتابته؟

ــ لان التجربه كبيرة وثرية ومليئة بالتفاصيل والمغامرات وهذا لا يستوعبه مقال بل يحتاج الى كتاب

**وهل يستطيع الكاتب سرد حياته المهنية دون الإشارة لتاثير الحياه الشخصية على مهنيته؟

ــ هذا ضمن الاسباب التى تمنعنى من الكتابة لاننى لا احب الخوض فى الحياة الشخصية اطلاقا ، اشعر بأنها تعرية قاسية للذات مهما كان سخاء التجربة .

**بشكل عام كيف تؤثر الحياة الشخصية مجرى تحول الكاتب الفكرى؟

ــ أحيانا  الحياة الشخصية تتداخل مع المحتوى الفكرى رغما عنا ، فنحن بشر نحب ونكره ونخطئ ونصيب ، والذكاء الا تستلبك حياتك الخاصة على حساب احلامك الابداعية وطموحاتك المهنية ، لان  العزلة لا تؤذى سوى صاحبها

** علاقتك بالاعلام الفلسطيني..وكيف تنظري اليه؟

ــ انا دائمة التواصل مع الاعلام الفلسطينى وفى مرحلة سابقة كنت اراسل عدة صحف فلسطينية محلية منها القس والحياة الجديدة والايام وقد تستغرب لو قلت لك اننى نشرت اول تحقيق لى عن مدينة غزة وانا لا زلت طالبة فى الجامعة فى جريدة الفجر المقدسية ولا زلت اتذكر عنوانه .... " غزة أم البندقية " كان يتحدث عن غرق مداخل المدينة بمياه الامطار فى الشتاء من شمالها الى جنوبها وقد اثار الموضوع ضجة كبيرة حينها وطلب وئبس البلدية وقتها وكان رشاد الشوا مقابلتى لتوضيح اسباب هذا الغرق الموتبط بانشاء مشروع ضخم لتصريف مياه الامطار تكلفته عالية جدا لا تستطيع بلدية غزة القيام به .

وحاليا ليس لى نشاط  واضح  فى الاعلام الفلسطينى لكننى اعرف انهم يأخذون بعض مقالاتى فى احيان كثيرة ، ولا زلت على اتصال ببعض الاصدقاء الصحفيين والمسؤولين هناك .

وعلى مستوى الاعلام المقروء فالصحف الفلسطينية تتمتع بهامش من الحرية فيما عدا قيود الرقيب الاسرائيلى التى فى معظم الاحيان تصادر اعداد الصحف ولا تنتظر تطبيق القانون !!

** بصراحة..ايهما يستحق عتابا اكبر  للإعلام المصري ام الفلسطيني؟

ــ ربما تعتقد اننى ساكون منحازة اذا ماقلت ان الاعلام المصرى يفتقد كثيرا الى المهنية ، لاسباب كثيرة لكن بحكم التجربة اجد ان هامش الحرية اكبر  فى الاعلام الفلسطينى وربما يعود ذلك لوجود الاحتلال وفى المقابل تعدد الاحراب السياسية المؤثرة على الساحة الفلسطينية بالاضافة الى طبيعة التركيبة السياسية والثقافية هناك !

**وكيف ترين  الاعلام العربي تجاه القضية الفلسطينية؟

ــ بالتأكيد تراجع كثيرا ولم  تعد  فى بؤرة اهتمامه كالسابق ، بدليل احداث كثيرة قاسية عصفت بالمجتمع الفلسطينى طوال السنوات الماضية ... سنوات الربيع العربى الذى لم يزهر سوى الكره والارهاب ، ولا يعلم عنها الاعلام العربى شيئا ولم تحظ بالتغطية اللائقة

** واخيرا..امنياتك على المستوى الشخصي والمهني؟

- امنياتى ان تكلل جهودى بالنجاح على المستوى الخاص والعام ، لازلت اشعر بأن هناك شئ ما ينقصنى لم يشبع طموحى المهنى ولم يلبى نداء  الاحساس بالرضا عما تحقق .

هناك الكثير الكثير من الطموح داخلى ، لكن ظروف المهنة غير مشجعة المناخ العام سئ ولا زال يعتمد على الشللية والعلاقات المتشابكة التى لا اجيدها ولم استطع يوما اختراق هذا العالم لاننى ببساطة لا احبه ولا احب اجواء النفاق والتملق اللذان هما عناوينه الرئيسية ، وانا لا اجيد اى منهما !