*خاطرة مهجرية : "غربة وشيخوخة " !!
تاريخ النشر : 2020-02-21 18:41

د. عبد القادر فارس:

تدركني الشيخوخة وأنا في هذا المنفى البعيد ، ولا أدري إن كنت اخترته بإرادتي ، أم غصباً عني ، بعد أن استحال الوطن إلى غربة حقيقية ، يفتقد فيه الإنسان العيش والحرية والأمان ، وحتى الغذاء والدواء ، وللأسف بفعل الأخوة والأشقاء قبل الأعداء ، فعندما لا يحتمل منك الشقيق كلمة عتاب ، فكان لا بد لك من هذا الغياب ، تطير إلى أقصى شواطئ المحيطات غربا ، تبحث عن الاستقرار والحياة ، تهرب بفكرك المتقد , وجسمك الذي أنهكته الأمراض ، ولم تجد له العلاج والشفاء ، بعد طول هذه الرحلة من العناء والشقاء ، فلا بد لهذا الجسد المنهك من الترحال والنضال ، من رحلة قبل أخيرة ، قبل أن تأتي الراحة الأخيرة ، في تلك البلاد البعيدة ، ببردها وثلوجها ، التي أظن أنها أكثر دفئا ، من وطن بات اليوم أكثر بعدا , وأملا بعيدا .
كان الحلم والمنى ، أن ينهي مثلنا سنواته وأيامه الأخيرة في بلده وبين أهله ، وأن يحتوي جسده تراب الوطن الذي ضحى من أجله طوال تلك السنين من غربة أولى ، امتدت لأكثر من ربع قرن ، لكن لم يكن في الحسبان ما حل بهذا الوطن ، المحاصر بالجوع والمرض والحروب ، بعد صراع مقيت من الأخ الشقيق ، الباحث عن سلطة واهية وزائلة ، بشعارات رنانة عن ممانعة ومقاومة ، وتجارة بالدين ، أودت بنا إلى هذا المصير ، فكان لا بد من هجرة ومنفى جديد ، أسماه البعض " هروبا " من أرض الرباط والصمود ، فيما آخرون كانوا ما بين حاسد وغابط .
فهل كان الأجدى بنا انتظار الموت قهرا وذلا ، في وطن لم يعد وطنا ، بعد أن أعطينا العدو الفرصة لتصفية وإنهاء قضيتنا ، بسبب جهلنا وفرقتنا ، بعدما أحدثه ذلك الانقلاب الأسود في حزيران الحزين ، من انقسام وعذاب مهين، بعدما ساقوا لذلك المبررات والواهي من الأسباب .
يا صديقي الصامد والمرابط ، لك أن تقول ما تقول ، من كلام صاعد وهابط ، ومن هو منكم الناقد أو الحاسد أو الغابط ، أنا هنا في غربتي الجديدة , ومنفاي البعيد ، أتألم لهذا البعاد عن وطن حلمناه نوما ويقظة ، فلا مجال اليوم للملام مع كل هذه الآلام !!.

الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها وليس بالضرورة أنها تعبر عن الموقف الرسمي لـ "ريال ميديا"