غسّان كنفاني في رواية "سرير المشتاق"
تاريخ النشر : 2020-01-27 18:30

فــــــاروق وادي:

تقديم:
تناهى مؤخرًا في الأنباء، أن إدارة "فيس بوك" أقدمت على حجب موقع غسّان كنفاني الذي تديره مجموعة من الشبّان الفلسطينيين.
وفي سياق الاحتجاج على مثل هذه الخطوة الحمقاء، المنحازة للأعداء الذين قتلوا غسّان، أعيد هنا نشر مقطع من روايتي الأخيرة (سرير المشتاق) الصّادرة حديثًا عن المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر في بيروت.
لقد اختار سارد الرّواية لنفسه اسم "غسّان"، كاسمٍ نضالي، إعجابًا وتقديرًا بكنفاني، فحلّ مكان اسمه القديم. وتردّد الحديث في غير مكان وموقع في سياق السّرد الحكائي للعمل الرّوائي، عن علاقته الثقافيّة والعاطفيّة والنّضاليّة بالكاتب الشهيد.
هنا نختار مقعطًا من الرواية، مجدّدين الدّعوة لكلّ من كتب عن غسّان كنفاني أو يستطيع الكتابة، أن يسارع إلى نشر ما يتمكّن من نشره على صفحته أو موقعه، تأكيدًا على تشبُّثنا العنيد بالقيمة الكبرى التي يحتلّها كنفاني في حياتنا الفلسطينيّة، كمثقّف ومبدع؛ كمناضل وشهيد.

النّص:
كنتُ أسير بلا هدفٍ في قاع المدينة، وسط عمّان، بالقرب من السّيل الذي ظلّ يتدفّق بمائه شتاءً ويشحّ صيفًا بمياهه الضّحلة المنتنة. وعند أوّل "جسر الحمّام"، سمعتُ صوتًا يسأل:
ـ تشرب شاي؟!
تلفتُّ حولي فلم أجد أحدًا. لم أجد السّائل ولا من يُطرح عليه السؤال.
ـ تشرب شاي؟!
أدركتُ بعد تكرار السؤال، أنني أنا المعنيّ بالأمر، ولا أحد غيري. أمّا السّائل فكانت ببغاء خضراء اللّون يداخله الأزرق اللاّمع والأحمر المتوهِّج، وكانت تكمن في قفصٍ كبيرٍ مُعلّق عند باب بائع طيور وآلات موسيقيّة وتريّة وطبول. ضحكتُ وأنا أخاطب الببغاء السّائلة:
ـ لا أشرب الشّاي.. أنا في العادة أشرب القهوة.
ضحك صاحب المحلّ الملتحي وهو يخاطب الببغاء:
ـ إنه يا "شهرزاد" لا يشرب سوى المحبوبة السّمراء.
فانطلقت الببغاء منشدة بصوتٍ حادٍ:
ـ "أنا المحبوبة السّمراء
أجلى في الفناجين
وعود الهند لي عطر
وذِكري شاعَ في الصّين"

صفّقت لشهرزاد بحرارة، وسألت الرّجل إن كانت الببغاء تحفظ شيئًا آخر. فقال لي بلهجة تنطوي على إحساسٍ بالفخر، إنها تحفظ "قل هو الله أحد" وتقول "صوموا تصحّوا"، ويمكن لمن يستأنسها أن يُحفِّظها ما يشاء. سألته إن كانت الببغاء معروضة للبيع، فأجاب أن لا شئ في المحلّ غير معروض للبيع، إلاّ صاحب المحلّ نفسه، وضرب على صدره.

كنتُ في تلك الأيّام قد ادّخرت مبلغًا أسافر به إلى لبنان، غير أن بيروت باتت بعيدة عن حلم الوصول، بعد أن أعادوني عن الحدود ملومًا مدحوراً، وحلّ مكانه حلم القنفذة الذي غدا، هو الآخر، بعيد المنال. فأقدمتُ على شراء شهرزاد بأكثر من نصف ما أملك، علّني أعوِّض بها بعض أمانيّ المُحبطة.

والحقيقة أن حياتي قد أصبحتْ أكثر احتمالاً بوجود شهرزاد فيها. حقيقة أن المكان إذا لم يؤنّث لا يُعوّل عليه، كما يقول المتصوِّفة، وأنا مكاني تأنّث بأنفاس شهرزاد.. أنفاس ببغاء ولا أنفاس الجدران الصّماء. ولا أنكر أن الحياة قد تلوّنت بألوان أجنحتها البهيجة، وقد أصبحتْ تداهمها بعض لحظات من المسرّة جرّاء هذا الوجود. فقد عثرتُ من خلالها على من أتحدّث إليه.. من أحكي له همّي وأشرح متاعبي وأشواقي.. من أبكي أمامه إن شئت.. من أطلعه على أصفادي اللامرئيّة، وأبوح بأسرار قلبي الجريح.

لكنّ أكثر ما سلاّني، هو أنني قرّرتُ أن أعلّم شهرزاد شيئًا جديدًا، ربما يكون قد دخل للمرّة الأولى إلى لغة الببغاوات، فكان أن علّمتها كيف تقول: "يا عمّال العالم اتحدوا"، وكيف تُردِّد: "هنا الوردة، هنا نرقص"، ثمّ كيف تتساءل "ما العمل".. "ما العمل"؟! فأصبحت الكلمتان الأخيرتان دارجتين على لسانها، تردِّدهما بكرة وعشيّا، وعندما كنتُ أخاطبها "يا رفيقة" تخاطبني فوراً "يا رفيق". وقد أصبحتُ أستيقظ في كلّ صباح، مع يقظة الشّمس، على صوت شهرزاد مرددة: ما العمل؟! ما العمل يا رفيق؟!

***

كانت ظهيرة يوم بالغ الكآبة.
في تلك الظّهيرة العالية التي كانت شمسها القاسية ترشقنا، بلا رحمة، بلهيبها التموزيّ القائظ، جاءت الأنباء التي يبثها الرّاديو، في وسط المدينة، لتتحدّث عن استشهاد غسّان كنفاني في منطقة الحازميّة ببيروت، في عمليّة تفجير استهدفت سيارته، فور شروعه في تشغيلها، وأضافت الأنباء بأن الانفجار الرّهيب، الذي مزّق أفق بيروت السّاكن وجسد غسّان، قد أودى بحياته، ومعه الصبيّة ابنة أخته "لميس" التي كانت برفقته لحظة التفجير الإرهابيّ.

شعرتُ آنذاك بأنني لم أخسر، فحسب، كاتبًا تسحرني كتابته، وإنما خسرتُ أيضًا حلمًا جميلاً بلقائه وتوطيد العلاقة بيننا، وأن غياب غسّان كنفاني عن أفق بيروت، سيفقدني الكثير منها، إذا ما سُمح لي يوماً بالسّفر، وعُدتُ إليها مُشرّعًا بأحلامٍ شاءوا لها أن تختنق مبكّرًا.

وكان السرير الذي خلتً أنه ينتظرني هناك، ينأى في تفاصيل الجبال البعيدة، ليغرق ببياضة الحليبيّ في ضبابها الجبليّ الكثيف الرّاقد في أعالي القمم.

يومها علّمتُ شهرزاد أن تردِّد بنبرة حزينة: "قتلوا غسّان.. يا للأحزان.. دُقّوا دُقّوا جدران الخزّان"!

***

حلمتُ ليلتها، أنهم ما زالوا يواصلون التّحقيق معي في المنام، بلا توقُّف، وكان مُرعبًا أن أكون قد فقدت ساعتي الذّهبيّة، وأنهم يؤنبونني على ذلك، ويلقون بجسدي عاريًا في زنزانة تغرق أرضيتها الباردة في ماء عادم!