فراغ
تاريخ النشر : 2019-06-09 15:48

حازم موسى أبوكرش:

فـراغـاً هائلاً كبيراً، أعمق فراغ رأيته في حياتي، فراغ يتسع من تلقاء نفسه، ممتلئاً بالفراغ، فراغ لانهائي، الركض وراء الفراغ أشد إنهاكاً، الواقع يملأ الفراغ بالفراغ، أخاف من فراغ الشوارع، فراغ المدينة، ألاف الوجوه لن تملأ الفراغ، أني لا أقدر على ربط الأشياء في سياق واحد، كأنني أعيش أجزاء أو شظايا من عالم قد انفجر، هنالك فراغ بداخلي، خواء يتمدد ببطء ويلتهم ما تبقى مني. الجميع يحيط نفسه بقوقعة واقعية، الجميع يبني سورا حول نفسه، كل ما في الامر ان علو السور يختلف من شخص الى أخر، فإذا وجدت شخصا لم يمس التفكير تعابير وجهه، فذلك ببساطة لأنه قد شيد سورا حول نفسه أعلى من الذي شيدته بكثير، مع ذلك ما بقي خلف هذا السور كان مثل الذي وراء اسوارنا تماما، فراغ شاسع. هذا المساء فكرت لماذا لا يوجد لدي مشغل أسطوانات "الجرامافون النحاسي العتيق"، لماذا لا يوجد عندي رف من الأسطوانات المنتقاة بحكمة، ثم أتناول واحدة من غلافها وأضعها بحرص في الجهاز، دون أن المس الأخاديد بأصابعي، وبعد التأكد من تنظيفها من أي غبار بفرشاة صغيرة، أضع الابرة بلطف على الأسطوانة. استمع لها عشرات المرات، وانا أشرب القهوة على الأريكة أراقب دورانها في الجهاز، ثم عندما تنتهي الأسطوانة، امسحها بقطعة قماشها، واضعها في غلافها وأعيدها الى مكانها الصحيح على الرف. ولماذا لا ينتابني شعور أنها ليست أسطوانة ما اتعامل معها، بل ربما روح هشة داخل وعاء زجاجي. الحقيقة لا يوجد في بيتنا مشغل أسطوانات، ولم يعلمني أبي عملية التعامل معها، وبدوري لم أتبع تعليماته بجدية فائقة. لدي راديو واستمع من خلاله استمع الى فيروز صباحا. موسيقى بالمجان. ينتابني وانا انظر الى دوران الاسطوانة سلسلة دوامات، كنت ادون ما في بالي بكلمات تتجاوز اللغة العادية، ابجدية مختلفة تماما من الكلمات، حيث اكتب مشاعري واضعها في كلمات، لا أحد يستحق قراءتها، لذلك أمزق الورق، واندمج بتلك الدوامات، دوامة تليها دوامة، وتتبعها دوامة، لانهائية. أدلل نفسي بفنجان قهوة، أفتح نافذتي لاستقبال العيد علي أمل أن أري بعضا من ملامحه في بعثرة المارة الماضين على عجل، أحدهم كتب عيد على جدار في الحارة، كمنارة بيضاء في وسط عاصفة وواقعا عكر، ينتابني شعور بان البشرية عادت في صورتها الأولى. هل اصنع قهوة أخرى؟ بماذا تفيد. القهوة هي المنبه الذي لم أضبطه أبدا، أنا أحب أحلامي، ومن هنا أخاف الكوابيس. ما أحاول قولة أتمنى ان يأتي العيد القادم والكادحون قد أفلتوا من مخالب الظروف المهلكة. أيام العيد زمان، كنا نلبس الملابس الجديدة، ونسقط الحدود مؤقتاً من المجتمع كله، وكان الصراع الطبقي يخف إلى حد كبير، إذ كان يعم جو من المساواة الجميلة، اليوم، الصراع الطبقي خف إلى حد كبير، وعم جو من المساواة القبيحة "الفقر". الحياة تلفاز مشوش، وفراغ يبتلع الامتلاء. فراغ وفراغ وفراغ حتى نهاية الصفحة فراغ. قالوا الفيزيائيون عندما ينشأ فراغ فلا بد أن يأتي شيء ما ليملأه؟ انها ثرثرة علمية.

الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها وليس بالضرورة أنها تعبر عن الموقف الرسمي لموقع " ريال ميديا