الاربعاء 23 اكتوبر 2019

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.5 3.54
    الدينــار الأردنــــي 4.59 5.02
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.85 3.93
    الجـنيـه المـصــري 0.2 0.2

الأسمر:المسرح الفلسطيني لم يتجاوز مرحلة التجربة

المخرج المسرحي د. حسين الأسمر :همي الأول البحث عن المضمون الفكري و السياسي الذي يؤدي دوراً تحريضياً

المسرح الفلسطيني لم يتجاوز مرحلة التجربة

  • 14:15 PM

  • 2014-12-22

غزة " ريال ميديا " – أشرف سحويل:

حسين الأسمر واحد من أهم المسرحيين الفلسطينيين، و هو صاحب تجربة مسرحية ممتدة، استغرقت سبعة و أربعين عاماً، نمت براعمها الأولى منذ كان طالباً في المرحلة الإبتدائية في مخيم النصيرات وسط غزة، و نما عودها و اشتد بتخرجه من قسم التمثيل و الإخراج بأكاديمية الفنون بالقاهرة عام 1971 لتثمر عن عدد كبير من المسرحيات المحلية و العربية و العالمية. في محطات اللجوء في كل من القاهرة و دمشق و صنعاء، قبل أن يحط رحاله في غزة مع عودة السلطة الفلسطينية، و هو عدا عن ذلك دارس متخصص نال درجة الدكتوراه في شؤون المسرح و ساهم في بناء العديد من الفرق المسرحية العربية و الفلسطينية و شغل عدة مناصب منذ تخرجه، حين عمل مسؤولاً للمسرح الوطني الفلسطيني بدمشق قبل أن ينتدب للعمل كخبير مسرحي في وزارة الثقافة و الاعلام اليمنية بصنعاء عام 1976، و التى أخرج لها العديد من المسرحيات و أسس لها فرقة الجديده المسرحية عام 1984 غادر اليمن إلى تونس العاصمة و هناك انتخب أميناً عاماً مساعداً للاتحاد العام للفنانين الفلسطينيين التعبيريين ثم رئيساً للمجلس الإداري و مازال، و في عام 1994 عاد إلى صنعاء مرة أخرى و أسس فيها جماعة المسرح العربي و انتخب رئيساً لها و شارك في تأسيس الاتحاد العام للفنانين العرب بالقاهرة و الاتحاد العام للمسرحيين العرب ببغداد الى جانب مشاركته في العديد من المهرجانات المسرحية العربية بصفته مخرج أو ممثل أو ناقد مسرحي.

هذا التجربة الطويلة الممتدة جعلته يقف على أعتاب النضج الفني و الوعي الفكري و شكلت لديه حافزاً قوياً لجعل " الدراما " بؤرة اهتمامه و طوال هذه الفترة حرص على تسخير المسرح لخدمة و معالجة الهم الإنساني و خاصة معاناة شعبه منذ النكبة عام 1948 و ذلك من خلال البحث عن المضمون الفكري و السياسي الذي يؤدي دوراً تحريضياً و فعلاً ثورياً و الشكل الفني من خلال استمرار التطوير و البحث الدائب عن كل جديد و تجريبي في المسرح.

كانت وقفة لنا مع الدكتور حسين الأسمر في حوار صريح نتناول أبعاد هذه التجربة المسرحية و أبرز ملامحها و شؤون المسرح الفلسطيني و العربي – أزماته، و معيقاته و أفاق تطوره و فيما يلي نص الحوار.

نعم هذه التجربة الطويلة في حقل المسرح جعلتني أقف على أعتاب النضج الفني والوعي الفكري وشكلت لدي حافزا قويا في جعل الدراما بؤرة اهتمامي كما كان لهذه التجربة أثر فعال في صقل مواهبي في مجال التمثيل والإخراج والتأليف والنقد الفني وجعلتني على اتصال مباشر مع المدارس والمذاهب المسرحية المتنوعة والاهم من ذلك كله استطعت خلال تجربتي هذه أن أسخّر المسرح لخدمة ومعالجة الهم الإنساني _ بعامة _ والهم الفلسطيني _ بخاصة _ تجسيد معاناة شعبنا منذ الخروج الأول في عام النكبة 1948م ولقد نجحت أثناء تجربتي المسرحية في طرح الأفكار التقدمية كسلاح ضد أعداء الحقيقة والعدل وإثراء البعد النضالي على المستوى الفلسطيني بخاصة والإنساني بصفة عامة.. وفي الأخير يمكنني القول 
إن طوال تجربتي المسرحية كانت تتنازعني قضيتان : الأولى. هي البحث عن المضمون الفكري والسياسي الذي يؤدي دورا تحريضيا وفعلا ثوريا.. والثانية هي الشكل الفني.. وهنا أصارحك القول.. إنني حتى الآن لم أستطع التركيز على شكل معين أعمق من خلاله فلسفة المضمون، وهذه مسألة صحيّة لأنها ترتبط بنشأة المسرح الوطني الفلسطيني، الذي منذ أن تأسس وهو يسعى باستمرار للتطوير اكتشاف كل جديد وتجريبي في المسرح. 
و ما من شك أن المسرج الفلسطيني داخل الوطن وخارجه، سواء كان على مستوى الهواة، أو على مستوى الاحتراف حقق عبر مراحله الطويلة الممتدة منذ القرن السابع عشر حتى الآن، الكثير من الانجازات والنجاحات الفنية والجماهيرية، وأعطت التجربة المسرحية الفلسطينية دورها في تشكيل العديد من الفرق المسرحية الأهلية، وأرست بعض التقاليد المسرحية وتعريف الجماهير بفن المسرح وجعلتهم يتوافدون إلى الأماكن التي تقام فيها العروض المسرحية لمشاهدتها والتفاعل معها.

وعلى الرغم من أن التجربة المسرحية في فلسطين قد قطعت شوطاً طويلا من الزمن وحققت الكثير من النجاح الفني والجماهيري فلسطينيا عربيا ودوليا، متخطية بعض الصعوبات والعوائق إلا أنها لم تأخذ فرصتها الطبيعية، ولم تمتلك كل مقوماتها الحقيقة فظل المسرح الفلسطيني يعيش حالة من المّد والجزر، ويتأرجح بين النجاح والفشل دون أن يتجاوز مرحلة التجربة إلى مرحلة البناء الفعلي والتطور، وبالتالي لم يستطع الوصول إلى غاياته _ كما ينبغي _ ولم يحقق طموحاته الفنية والفكرية الثقافية والاجتماعية، كما لم يحقق طموحه في إيجاد جمهور مسرحي عريض واع، والتعرف على إمكاناته وخلق روح المبادرة لديه.

- كمخرج مخضرم ما هي أهم الأعمال المسرحية التي قدمتها، وفي أي إطار من المدارس المسرحية يمكن تصنيفها؟

أخرجت طوال حياتي الفنية المسرحية ما يقارب الأربعين مسرحية، في كل من القاهرة ودمشق وصنعاء وغزة وقد تعددت مدارسها وتنوعت من حيث المعالجة الفنية والشكل.. فمنها ماكان ينتمي إلى المدرسة الواقعية، ومنها ما أخذ أسلوب وشكل المسرح الرمزي ومنها ماكان كلاسيا ومنها ما اتخذ أسلوب المسرح الملحمي أو المسرح الكلي الشامل، وبعض المسرحيات دخلت في إطار المسرح التجريبي. 
ففي القاهرة أخرجت لأسرة المسرح الفلسطيني مسرحية " الطوفان " لفوزي العمري، ونداء الأرض وهو عرض مسرحي قمت بإعداده عن شعراء الأرض المحتلة (محمود درويش، سميح القاسم، توفيق زياد وفدوي طوقان )
ولاتحاد الفنانين الفلسطينيين أخرجت أوبريت " الحجر في مطرحو قنطار" تأليف الدكتور عبد اللطيف عقل، وللمسرح الوطني الفلسطيني أخرجت مسرحية المأزق للشاعر أحمد دحبور وفي دمشق أخرجت لفرقة المسرح الضاحك مسرحية " ستربتيز" للكاتب البولوني سلافوميير مروجيك وللمركز الثقافي البلغاري أخرجت مسرحية " مطاردو الوظيفة للكاتب البلغاري ايفان فازوف، وللمسرح الوطني الفلسطيني أخرجت مسرحية " الحلم الفلسطيني تأليف رشاد أبو شاور، وللمسرح الملتزم مسرحية " مسقط في تشرين " لزهير حسن. وفي صنعاء أخرجت للمسرح الوطني اليمني والمسرح العسكري وكلية الشرطة عدة مسرحيات و " المعلم " لمحمد الشرفي " الفأر في قفص الاتهام " لعبد الكافي محمد سعيد و" الشمعة " لعبد الله العمري و" رسالة إلى سيف بن ذي يزن، للدكتور عبد العزيز المقالح و" مغامرة رأس المملوك جابر، لسعد الله ونوس و" السفينة "، لمحمود الصغيري والجرة للكاتب الايطالي لويجي براند للو ومسرحية " المتقاضون "، للكاتب الفرنسي جان راسين.
وفي غزة : أخرجت للمسرح العسكري الفلسطيني مسرحية الطاحونة تأليف عبد الفتاح مقداد و لمسرح الطفل أخرجت مسرحية " حارسة النبع ".. إعداد أبو الصادق عن قصة زين العابدين الحسيني ولجمعية فكرة للفنون التربوية أخرجت مسرحية " السيد بيرفكت صياغة عاطف أبو سيف ولفرقة البيادر المسرحية أخرجت مسرحية " غزة ع التكة، صياغة رجب أبو سرية.

-الحديث عن المسرح الفلسطيني لايخلو من شجن ليس من جهة عدم توفر الدعم الرسمي المطلوب، وحسب، وإنما أيضا من حيث الافتقار لدور العرض والنصوص المسرحية وموسمية العروض الى أي مدى يعاني المسرح في غزة من هذه المعضلات، وهل المسرح الغزي في أزمة؟

المسرح الفلسطيني عامة، والمسرح الغزي خاصة، يعاني الكثير من الإشكالات، ويعيش في أزمة حقيقية، وتنبع هذه الأزمة من عدة قضايا لها أسبابها، الموضوعية وتكمن في الافتقار إلى النص المسرحي الجيد، و غياب العنصر النسائي وغياب الممثل الممنهج، و عدم القدرة على الفهم والاستيعاب والإدراك لمهام المسرح ودورهو معطياته من قبل المسؤولين من ذوي الشأن وعدم الاهتمام بالمسرح على المستوى الرسمي، و غياب النقد الفني المسرحي الموضوعي القائم على أسس ومعايير نقدية علمية صحيحة، و الافتقار إلى دُور العرض المسرحي المجهزة بالتقنيات الحديثة كالصوت والإضاءة وغير ذلك، عدم الدعم والتمويل الوطني للعروض المسرحية المتميزة التي تقوم بها الفرق المسرحية الأهلية، الافتقار إلى الجمهور المسرحي الذي يعي واقعه الاجتماعي والثقافي والإبداعي وهذا الأمر له أسابه ولا يتسع المكان هنا لتناولها والحديث عنها.

- ثمة من شّبه المسرح الغزي بفقاقيع الصابون حيث يستغرق الإعداد للمسرحية أشهرا، وتعرض المسرحية لمدة يوم أو يومين في أحسن تقدير.. فما هي أسباب ذلك، وكيف يمكن الخروج من هذه الأزمة؟

إن من شّبه المسرح الغزي "بفقاقيع الصابون" لم يجانبه الصواب، وكلامه صحيح إلى حد كبير فالفرق المسرحية في غزة فقيرة الإمكانات وبالتالي فهي قليلة الإنتاج، وإن توفرت لها ظروف لإنتاج عمل مسرحي، فان الإعداد والتجهيز له _ حتى يرى النور _ يحتاج إلى جهد و وقت كبيرين قد يستغرق شهرين أو أكثر وبعد هذا التعب والجهد المضني لا يعرض على خشبة المسرح أمام الجمهور سوى ليلة أو ليلتين أو ثلاثة ثم يطويه النسيان.. وهذا بطبيعة الحال يعود إلى شُح الإمكانات المادية وعدم وجود جمهور مسرحي يعطى ويشجع الأعمال المسرحية وعدم الالتفات إلى المسرح من قبل المسؤولين المعنيين بشؤون الثقافة والإبداع، وهذا يشكل أزمة حقيقة للمسرح على امتداد الوطن.. وللخروج من هذه الأزمة يستوجب إصدار قرار سياسي و يعنى بشؤون المسرح ودعم الفرق المسرحية المتميزة والعمل على استمرارية العروض المسرحية بهدف تكوين جمهور مسرحي يساهم في إثراء المسرح في فلسطين.

- يغلب على المسرح العالمي هذه الأيام التجريب، فهل هناك حيّز للمسرح التجريبي في فلسطين ؟

التجريب كأسلوب جديد، ظهر في فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر الميلادي، على يد " الفريد جاري، مؤسس مسرح الطليعة _ كثيرهم الأدباء والفنانون الذين كانت لهم أساليب مختلفة شكلا في المسرح التجريبي في أوروبا وبلاد الغرب ويحظى المسرح التجريبي _ اليوم _ باهتمام كبير في دول العالم، ويتمتع بنجاح لم يعهده من قبل على أيدي مجموعة من المسرحيين العظام أمثال ( يوجين يونسكو، وصمويل بيكيت، وأرثور أداموف، وجورج شحادة وغيرهم. 
إن الجوهر الأساس للمسرح التجريبي، هو اهتمامه اهتماماً بالغاً بمعنى وجود الإنسان، وبالدور الذي يقوم به في المجتمع، كما أنه لا يكتفي بالأشكال التقليدية والمعايير الجامدة المتعارف عليها، ويظل دائب البحث عن أساليب وأفكار جديدة تعبر عن روح العصر ومتطلباته وتعمل على تطوره. 
ولقد شهد مسرحنا العربي بعض المحاولات التجريبية في مجال الدراما المسرحية في كل من مصر وسوريا والعراق والمغرب وتونس والجزائر أنبأت عن قدرة الإنسان العربي على الخلق والإبداع، وثمة محاولات مسرحية تجريبية مثمرة للمسرح الفلسطيني داخل الوطن وفى الشتات، وكان حضورنا متميزاً في مهرجان المسرح التجريبي الدولي الذي يقام في أيلول من كل عام، وقدمنا فيه مسرحيات تجريبية حظيت باستحسان النقاد المشاهدين منها مسرحية " المأزق " و" عنتر في الساحة خيال " ومسرحية "الراية ".
ومما لاشك فيه أن هذا المنحنى التجريبي في المسرح الفلسطيني بخاصة والمسرح العربي بعامة، لو تحقق بشكل مدروس وواع _ مستفيدا ـ من التجارب المسرحية العالمية، سوف يدفع الحركة المسرحية الفلسطينية والمسرح العربي بخطى حثيثة إلى الأمام بشكل جديد ومتطور وسيحقق رسالة المجتمع الحضارية والإنسانية والفنية.

- المسرح - أولا وأخيرا - جملة من العناصر المتكاملة نصا وأداء وديكورا وإخراجا فما هي الحلقات المفقودة في المسرح الغزي ؟

لايكون المسرح مسرحا _ ولا يكون العرض المسرحي متكاملا مالم تضافر جملة من الجهود والإمكانات الحرفية المسرحية وتتمثل في التأليف والإخراج والتمثيل وأماكن العرض والديكور والزخرفة المسرحية والأزياء والإضاءة وتقنية الصوت والموسيقى التصويرية والمؤثرات وفنية التنكر ( الماكياج ) والجمهور وإذا ما نظرنا إلى المسرح الغزي لوجدناه يفتقر إلى أغلب هذه العناصر المكملة للعرض المسرحي

-ثمة ميل _ في غزة لما يُسمى بالمسرح التعليمي ( الوعظي ) من المسئول عن ذلك وهل للتمويل دخل في ذلك ؟

فيما يتعلق بالمسرح التعليمي أقول :إن المسرح التعليمي ليس مسرحا وعظيا مباشرا كما يفهمه البعض _ وهذا اللون من المسرح أرسى قواعده المسرحي الألماني الكبير بيرتولد بريخت ومن قبله بيسكاتور وقد أطلق عليه المسرح الملحمي،و وضع له رؤية خاصة ومنهجا معينا لا يتسع المجال هنا لمناقشته وتناوله بالشرح والتحليل "" وكان للمسرح الغزي نصيب قليل في تقديم بعض العروض لهذا اللون من المسرح، منها "الاستثناء والقاعدة" لبريخت قدمته أيام المسرح في غزة وثمة لون آخر من المسرح التعليمي وهو المسرح الذي يتوجه في الأساس إلى الأطفال وتلاميذ المدارس وهذا اللون من المسرح يُنمي شخصية الطفل وثقافته وأدبه وفنونه، ويجعله قادرا على تكوين شخصيته ومهاراته ووسائل تعبيره وصقل مواهبه وتنمية قدراته العقلية والعاطفية والنفسية والتربوية التعليمية. 
وإذا ما حاولنا تعريف هذا اللون من المسرح نقول : إنه مسرح من الهواة تشرف عليه إحدى المدارس أو إحدى المؤسسات العلمية والتربوية و يهدف إلى تسلية تلاميذ المدارس وتعليمهم، وتثقيفهم وتدريبهم على ممارسة فنون المسرح بأنفسهم وبهذا المعنى فثمة ميل كبير في تقديم هذا النوع من المسرح التعليمي لدى العديد من المدارس في قطاع غزة _ وأما الفرق المسرحية الأهلية، أو الفرق التابعة لمؤسسات غير حكومية فإنها لم تقدم من العروض المسرحية التعليمية ما يستحق الذكر إلا نادراً،وجل ما تفكر فيه هذه الفرق والمؤسسات هو التوجه للجماهير الطلابية في المدارس لتقديم عروضها لهم، بغض النظر عن مستويات المسرحية الفنية والفكرية وهذا يعود للتمويل _ بالدرجة الأولى _ فالمؤسسة أو الفرقة التي يقدم لها دعم أجنبي تقوم بالعديد من العروض المتفق عليها مع الممول وبحسب شروطه. 
والمسرحيات التي تقدم في المدارس في قطاع غزة لم تصل في عروضها إلى المستوى الفني الرفيع لعدم تقديم الدعم اللازم للفرق التمثيلية في المدارس.. كما أنها لم تحقق شروط العمل المسرحي لعدم توفير عدد من معلمي الدراما المسرحية وتزويدهم بالطرق و الوسائل والخطوات الممكنة التي تساعدهم على كيفية التعامل مع دراما الطفل و كيفية صياغة العمل المسرحي المناسب بشكل يرقى إلى الفن الرفيع. 
لاشك إن المسؤولية الأولى _ في ذلك _ تقع على عاتق وزارة التربية والتعليم ووزارة الثقافة وزارة الإعلام والمؤسسات الثقافية والعلمية الأخرى التي تعنى بشؤون الثقافة والفنون.

- أين تضع المسرح الفلسطيني على خارطة المسرح العربي ؟

على الرغم من الإمكانات المتواضعة التي انطلق منها المسرح الفلسطيني سواء في المنفى أو داخل الوطن إلا أنه استطاع أن يثبت وجوده عربيا فقد شارك في العديد من المهرجانات العربية في كل من دمشق وتونس والقاهرة وبغداد، و قدم خلالها عروضا مسرحية متميزة وحصل المسرح الفلسطيني على جوائز في التمثيل والإخراج والتقنيات الفنية كما حصل على جائزة أفضل عرض مسرحي في مهرجان قرطاج بتونس عن مسرحية " خيوط من فضة " في دورته الثانية 
لقد استطاع المسرح الفلسطيني بعروضه الملتزمة والمبدعة وقدرات العاملين فيه أن يترك بصمات واضحة وأن يحتل مكانا مرموقا على خارطة الإبداع المسرحي العربي وحقق نجاحا ملموسا على المستويين الفني والفكري والسياسي ونال استحسان النقاد والجماهير العربية. 
-يعتقد البعض أن مشكلة المسرح في فلسطين مشكلة مركبة، وتكمن في التمويل ودور العرض وغياب المرأة الممثلة إلى أي مدى يمكن تصديق هذا القول ؟ 
هذا القول صحيح فالتمويل الوطني للعروض المسرحية معدوم تماما، ودور العرض المسرحي المجهزة تجهيزا فنيا كافيا غير متوفرة باستثناء بعض الدور المسرحية المجهزة تجهيزا فنيا جزئيا كمسرح رشاد الشوا الثقافي بغزة ومسرح جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني ومسرح الهولست الثقافي، وللأسف الشديد إن هذه المسارح لا تتيح للفرق المسرحية العرض عليها إلا بمبالغ ليس بمقدور الفرقة المسرحية توفيرها وبالتالي فإن هذه المسارح تساهم بشكل أو بآخر بإحداث أزمة في المسرح الفلسطيني. 
وكذلك فإن الفتاة الفلسطينية التي لديها اهتمام في مجال التمثيل والفنون فهي مكبلة إما بالتقاليد البالية أو بعدم الاهتمام بها وتشجيعها على المضي بالعمل الفني، وبالتالي فهي تشكل واحدة من العوامل التي تساهم في إشكالية من مشاكل المسرح الفلسطيني. 
يضاف إلى ما سبق عدم الاهتمام الرسمي بالمسرح وندرة الجمهور المسرحي وخاصة في قطاع غزة.

- بصفتك خبيرا وباحث في مجال المسرح كيف تقيم المسرح في غزة ؟

المسرح في غزة _ على المستوى الرسمي _ لاوجود له البتة، ولم يفكر أحد من ذوي الشأن وأصحاب القرار في المؤسسات الثقافية وفي مقدمتها وزارة الثقافة بالاهتمام بالمسرح وتفعيله وهذا أمر يدعو للأسف والغرابة والدهشة وكأن شعبنا شعب ميت لانبض فيه ولاحياة.. ويعيش في مستنقع التخلف ودياجير الجهل ويفتقر إلى أبسط أمور الحضارة والوعي والنضج الإبداعي.. ولم نجد لدى وزارة الثقافة أي اهتمام ملحوظ يستحق الذكر فيما يتعلق بالإنتاج المسرحي بعد أن فكرت، ثم فكرت وفكرت في الإجابة عن سؤال بالغ الأهمية هو :هل على وزارة الثقافة أن تنتج الثقافة أم تدعم الثقافة؟ فارتأت أن تدعم الثقافة. 
وهذا الأمر في حقيقتة يدعو إلى المرارة والاستهجان وكأن القائمين على وزارة الثقافة لايدركون أهمية الإنتاج الثقافي بعامة والإنتاج المسرحي  بخاصة وكأنهم لم يطلعوا على خبرات العالم في هذا المجال.. فوزارات الثقافة في المجتمعات المتقدمة والمتخلفة - على حد سواء جعلت من نفسها منبرا للإبداع وركنا أساسيا للإنتاج والدعم معا. 

إن وزارة الثقافة عندما اتخذت قرارها هذا - قرار الدعم لا الإنتاج - قد أخفقت في تقديرها وارتكبت بذلك خطأ فادحا إذ وضعت المسرحيين في دوائر مغلقة من الإحباط من جهة وجعلت الفرق المسرحية في غزة تلتجئ إلى جهات أجنبية لتمويل إنتاجها، بعد أن فقدت الأمل في التمويل الوطني، و من جهة ثانية أضعفت التحرك الإبداعي في مجال المسرح وفي خلق جمهور مسرحي يعي واجبه الاجتماعي من جهة ثالثة. 
وعلى مستوى وزارة التربية والتعليم فلم يكن في قطاع غزة قبل عام 2000م أي تفكير أواهتمام جدي بإنشاء مسرح مدرسي للكشف عن قدرات التلاميذ ومواهبهم واتجاهاتهم وميولهم الفنية والأدبية وحتى تكون وسيلة من وسائل التربية والتعليم ولعل الحركة التمثيلية في المدارس قد بدأت تنشط في أوائل عام 2000م فبدأت تتشكل الفرق التمثيلية في المدارس معتمدة على نفسها في إنتاج أعمالها إلا أن هذه الأعمال لم ترتق إلى الفن ولم تف بأغراض المسرح المدرسي ولم تكن العناية بها بالقدر الكافي. 

ومما يؤسف له أن مسرح الطفل الفلسطيني الذي أنشئ بقرار من الزعيم الخالد ياسر عرفات لم يقدم منذ إنشائه سوى مسرحية درامية واحدة هي "حارسة النبع" ومسرحية قصير قفازية متحركة ولا يزال معطلا عن الإنتاج المسرحي حتى الآن !... 

وكذلك المسرح العسكري لم يقد منذ إحدى عشرة سنة سوى مسرحية يتيمة هي مسرحية الطاحونة..!! 

أما على مستوى الفرق الأهلية المسرحية والمؤسسات غير الحكومية في غزة فقد قدمت عروضا مسرحية متنوعة منها ماهو جيد ومتميز ومنها ماهو ردئ وغث، وتنقسم هذه الفرق والمؤسسات إلى قسمين الأول يعتمد في إنتاجه المسرحي على تمويل ذاتي ووطني وقدم أعمالا مسرحية جديرة بالتقدير والاحترام، والثاني يعتمد إنتاجه المسرحي على دعم وتمويل أجنبي وقدمت أعمالا مسرحية في أغلبها سطحية ورديئة على المستويين الفني والفكري بغرض الانتفاع الذاتي الضيق والكسب السريع فساهمت في قتل وتدمير طاقات شابة مبدعة وواعدة، وجعلت من مقراتها دكاكين للنصب والاحتيال والارتزاق وليس ثمة مجال للحديث عنها.. وينبغي دراسة هذه الظاهرة دراسة مستفيضة وواعية وبشكل موضوعي للتنبيه إلى خطورتها والوقوف على كيفية محاربتها حتى لاتستفحل وتتغلغل في أوساط جماهيرنا الفلسطينية،بعامة _ وجماهيرنا الطلابية والشبابية بخاصة فتقتل ما تبقى لديها من قيم وطموح وطني ومجتمعي. 

وفي الأخير يمكننا القول : إن العديد من الفرق المسرحية قد تشكلت في قطاع غزة.. إلا إن بعض هذه الفرق لم تمتلك المقومات والأدوات التي تؤهلها للوصول إلى النضج الفني فسرعان ما اندثرت وماتت في مهدها. وثمة فرق أخرى حافظت على استمراريتها وقدمت أعمالا مسرحية دون المستوى المطلوب.. وقليل من الفرق المسرحية الغزية قدمت جهودا مسرحية مثمرة، ساهمت في إنعاش الحركة المسرحية في قطاع غزة وحركت الجمود الذي خيم على المسرح في السنوات العشر الأخيرة.

- ثمة جيل من الشبان والشابات أيضا يشغلهم الهم المسرحي أداء وإخراجا كيف تقيم أداءهم المسرحي وهل سيكون لديهم موقع على خشبة المسرح في مقبل الأيام..؟

أصارحك القول: إنه منذ عاميين وربما أكثر بقليل سيطر علىّ إحساس إحباطي وشعور تشاؤمي بأن المسرح في غزة بدأ ينحصر ويلفظ أنفاسه الأخيرة.. لكن سرعان ما تبدد هذا الإحساس وهذا الشعور عندما شاهدت عروضا مسرحية حيوية على مسرح جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني من خلال المهرجان المسرحي الأول في غزة والذي أقامه الاتحاد العام للمراكز الثقافية، وقد شارك فيه حوالي ست فرق مسرحية ترتكز على مجموعة من الشباب والشابات من الواعدين بعطاء مسرحي جيد.. ولقد رأيت في هؤلاء الشباب الصدق والإخلاص والتفاني في العمل المسرحي وقد أظهرت هذه العروض قدرات ومواهب شابة جديرة بالاحترام والتقدير وخاصة في مجال فن الأداء التمثيلي والإخراج.. وثمة عروض مسرحية قدمت في غزة أثناء المهرجان وبعده وإن كانت نادرة _ فهي تبشر بجيل من المسرحيين الشبان الواعدين في مجال الإخراج والتمثيل على قلتهم والذين يشغلهم الهم المسرحي لدرجة العشق.. إنهم يحلمون ويحترقون من أجل إيجاد مسرح في بلادنا يرقى إلى الفن الرفيع. 

وإني أرى لهؤلاء مستقبلا زاهرا في حقل المسرح، واعدا بعطاء مسرحي طيب وسيكون لديهم موقع فاعل على خشبة المسرح في المستقبل القريب.

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

آراء ومقالات

منوعات