السبت 28 يناير 2023

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.36 3.38
    الدينــار الأردنــــي 4.75 4.77
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.66 3.68
    الجـنيـه المـصــري 0.24 0.26

العمل النقابي من الثورة للنضال المطلبي

  • 00:12 AM

  • 2022-10-28

د. سلامه أبو زعيتر*:
عند الحديث عن العمل النقابي في تاريخ الثورة الفلسطينية المعاصرة نادرًا ما يتم استعراض الدور الوطني للحركة النقابية فيها، وذكرها في سياق المحطات النضالية الفلسطينية، فقد أُهمِل التركيز على النضال المطلبي الاجتماعي والاقتصادي لصالح النضال الوطني الذي تجسد بالمقاومة والاشتباك في مواجهة الاحتلال (الإسرائيلي)، ومن قبله الانتداب البريطاني، والحكم العثماني والذي شهد بدايات تشكيل العمل النقابي والاجتماعي والتعاوني، حيث لعب دوراً بارزاً في النضال الاجتماعي والنقابي والوطني منذ العشرينات من القرن الماضي، وقد تعرض أحد أبرز القيادات النقابية للاغتيال وهو المناضل النقابي/ سامي طه الذي كان يرأس جمعية العمال العرب، للأسف لم ينصفه التاريخ، علماً أنه لا يقل أهمية في تاريخ النضال الفلسطيني عن الشهيد/ عز الدين القسام.
يناقش المقال مفهوم النقابات العمالية والمهنية، وماهي الخلفية التاريخية للحركة النقابية الفلسطينية؟ والتركيز على النقابات العمالية كنموذج؟ وطبيعة النقابات ومشاركتها في الثورة الفلسطينية، وهل لعبت دوراً محورياً ومتفاعلاً في مواجهة الاحتلال؟ وما دور النقابات العمالية النضالي والمطلبي في ظل السلطة الوطنية؟ وما أثر الانقسام السياسي وانعكاسه على النضال النقابي؟ وتحديد شكل علاقة النقابات بالأحزاب والقوى السياسية؟ ومدى مقدرتها على الفصل بين علاقتها بالحزب ودورها في قيادة النضال المطلبي؟ كما سيحاول المقال توضيح التحديات وأوجه القصور لدور النقابات العمالية، ومحاولة تقديم رؤية لتطوير العمل النقابي والنهوض به للدفاع عن مصالح الأعضاء في ظل عملية البناء والتحرر الوطني، بما ينسجم مع خصوصية الواقع الفلسطيني وكاستجابة للمتغيرات والمستجدات المحيطة وتطورات عالم العمل.
أولا/ مفهوم النقابات العمالية والمهنية:
يمثل المفهوم للنقابات العمالية والنقابات المهنية الخصائص الأساسية باعتبارها أجسام تمثيلية تعبر عن الأعضاء، وتعمل ضمن إطار قانوني ينظم عملها، وقد عرفت النقابات العمالية بأنها تنظيم نقابي طوعي عمالي، جماهيري، مستقل يقوم على أساس ديمقراطي يضم العاملات والعمال الذين يعملون في مهنة واحدة أو مهن متشابهة ومترابطة أو يعملون في قطاع النشاط الواحد، وتمثل مصالح العمال وتدافع عنهم على مستوياتٍ مختلفة، وطبيعة عضويتها طوعية، ومن شروطها أن يكون العضو يعمل ضمن علاقة عمل، وتحت اشراف المشغل، ويتقاضى أجر.
للنقابات العمالية ﺷﺨﺼﻴتها الاعتبارية والمعنوية، وتتمتع بالاستقلالية المالية والإدارية لتحقيق أهدافها وأغراضها، وتسعى لتحسين ظروف وشروط العمل، وبناء قدرات وتنمية مهارات العمال، وحماية حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية ومن نماذجها (نقابات العاملين في مواقع العمل، والنقابات العمالية العامة والفرعية، والاتحادات النقابية العمالية)، ومنها: الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين، وإتحاد عمال فلسطين كاتحادات لها جذورها التاريخية في العمل النقابي في فلسطين.
أما مفهوم النقابات المهنية فيمثل تنظيم نقابي مهني ينشأ بقانون ينظم مزاولة المهنة والعاملين فيها، وطبيعة عضويتها الزامية، وذلك في الشكل الطبيعي لكن في الحالة الفلسطينية، وبسبب عدم وجود قانون موحد للنقابات المهنية، وتأخر إصدار تشريع أو قانون لكل مهنة (ما عدا نقابة المحامين سجلت بقانون)، فالنقابات المهنية شُكلت ضمن أكثر من مرجع قانوني، (كنقابات وجمعيات) تضم في عضويتها الأعضاء الذي حصلوا على شهادات متخصصة في مجال المهنة بعد إجراء فحص المستوى العلمي والكفاءة المهنية للأعضاء ضمن تخصصاتهم للتأكد من سلامه وصحة شهاداتهم لمزاولة المهنة، بهدف الارتقاء بالمهنة وتطويرها، وتحسين واقع الاعضاء الاجتماعي والقانوني والمادي، والحفاظ على شرف وأخلاقيات المهنة، وتنمية مستوى وعيهم الثقافي والاجتماعي وتنمية مهاراتهم المهنية والعملية ومواكبة تطورات المهنة على جميع المستويات، ومن نماذجها نقابة المحامين، والأطباء، والمهندسين، والمحاسبين والتمريض والمعلمين، ...الخ 
ونرى من المفاهيم السابقة أن هناك أوجه للتشابه والاختلاف بين النقابات العمالية والمهنية، وإن تشابهت بأنها هيئات نقابية تسعى للارتقاء بالأعضاء ورعايتهم، وتحسين واقعهم وحماية المجتمع، ولها أنظمتها الداخلية، وهي بمثابة دساتير تنظم عملها، إلا أن هناك اختلافات في الأدوار، فالنقابات العمالية تناضل للدفاع عن واقع العمال وتحسين ظروف وشروط العمل، بينما النقابات المهنية تسعى لتنظيم ممارسة المهنة وتطويرها وتنظيم مزاولاتها.
     واختلافات في إجراءات التأسيس والمرجعيات القانونية، وشروط العضوية؛ فالنقابات العمالية عضويتها طوعية، أما النقابة المهنية عضويتها الزامية، ومرتبطة بالشهادة ومزاولة المهنة، وهناك اختلافات في الأهداف، فالنقابات العمالية ثورية نضالية مطلبية، بينما أهداف النقابات المهنية لتطوير المهنة والارتقاء بسياساتها، وتأمين الحماية الاجتماعية لأبناء المهنة، كما أن هناك اختلافات في الإجراءات العقابية بينهما، فالنقابات العمالية تصل إجراءاتها للفصل من العضوية دون المس بممارسة المهنة للعضو أو حرمانه من العمل بها، بينما النقابات المهنية يمكنها أن تشطب العضو من سجلات المهنة ويحرم من مزاولة مهنته....
وهنا نجد أن النقابات العمالية، والنقابات المهنية بما تشكلان من حضور في مؤسسات المجتمع المدني؛ لكل منها خصوصيتها ووظيفتها ودورها المناط بها لخدمة المجتمع، وأحياناً تتكامل وتتقاطع في الأدوار ضمن نظرية المصالح وطبيعتها، لذا من المفيد الحديث عن أحداها كنموذج للعمل النقابي، وهنا سيتم التركيز على النقابات العمالية باعتبارها أسبق في التأسيس، والأكثر انتشارا بما تمثل من قواعد عريضة في المجتمع الفلسطيني، وتضم في عضويتها العاملين وأبناء المهن بغض النظر عن تخصصاتهم المهنية باعتبارهم يعملون في سوق العمل، وهم ممثلين ضمن النقابات العمالية القطاعية.
ثانيا/ الخلفية التاريخية للعمل النقابي في فلسطين: 
تجسدت بدايات العمل النقابي في تشكيلات اجتماعية( رابط اجتماعية) مطلع القرن العشرين استناداً للقانون العثماني الصادر سنة 1909، وكان الظهور الفعلي للنشاط النقابي عام 1920م، حيث شكل مدخلاً لمواجهة سياسات الاتحاد العام للعمال اليهود (الهستدروت) الذي تأسس في نفس العام كامتداد للمشروع الصهيوني، ومارس سياسته العنصرية بإيذاء العمال الفلسطينيين والعرب، مما دفعهم لتنظيم أنفسهم نقابياً، وتأسيس نادي عمال السكك الحديد من العمال العرب المحليين والمصريين والسوريين في عهد الانتداب البريطاني، وكانوا أول المشاركين في تأسيس نقابة عمال سكك الحديد، ثم تشكلت جمعية العمال العرب الفلسطينية، وأُعلن عنها رسمياً في 21 مارس 1925 م، وذلك أثر زيادة الوعي النقابي بين العمال.
منذ نشأة العمل النقابي في فلسطين ارتبط بخصوصية واقع الصراع في مواجهة المشروع الصهيوني الإحلالي، فكان لازماً على القيادات النقابية الموائمة بين النضال الاجتماعي النقابي المطلبي، والنضال السياسي التحرري، فحققت بالضغط العديد من الإنجازات منها إصدار التشريعات التي تنظم العمل لبعض الفئات والقطاعات العمالية، وكافحت ضد مشاريع التقسيم والاستيلاء على الأراضي العربية، وشاركت في إدارة إضراب سنة 1936 وأسست لجانها التي تولت أعمالاً تنظيمية وتقديم المعونات، ولعبت دوراً مهما وبارزاً في تحفيز الجماهير الفلسطينية للمشاركة في الثورات والمظاهرات في مواجهة الاحتلال البريطاني والهجرة الصهيونية لفلسطين، وكان لها اسهاماتها التي بلورت الهوية الوطنية الفلسطينية الكفاحية، ونشاطاتها العالمية بمشاركتها في أعمال المؤتمر التأسيسي الأول، والثاني لتشكيل اتحاد النقابات العمالية العالمي، وحصلت على اعتراف دولي كممثل للعمال الفلسطينيين.
شهدت الفترة (1940 – 1948) تشكيل العديد من النقابات المركزية التي خاضت عدداً من الإضرابات العمالية، وحققت اعترافاً رسمياً بجمعية العمال العرب كممثل شرعي للعمال، والتي بدورها طورت بنيتها التنظيمية ولوائحها وأنظمتها الداخلية، وعقدت المؤتمرات لمجالس النقابات، وأنشأت التعاونيات والصناديق الاجتماعية للعمال، وصناديق التوفير والتسليف، وقد بلغ عدد الأعضاء حتى منتصف الاربعينات ما يقارب 120,000 عامل، كما قادت الجمعية إضراباً في أبريل 1946 احتجاجاً على دائرة البرق والبريد واستجابت حكومة الانتداب لمطالب العمال.
 شاركت جمعية العمال العرب ممثلة برئيسها النقابي/ سامي طه في عضوية وفد الهيئة العربية العليا لفلسطين المتوجه لمؤتمر لندن لبحث قضية فلسطين عام1947، وبعد عودته تم اغتياله في 11 أيلول عام 1947، والذي تبعه نكبة عام (1948)، التي هجرت وشتت آلاف العمال، وكل مكونات المجتمع الفلسطيني، وتبعها تدمير بنيته التحتية الاجتماعية والاقتصادية والمؤسساتية، وتفككت جمعية العمال العرب، وهجرت قياداتها وتشتت في بقاع المعمورة.
انتقل مركز العمل النقابي بعد النكبة من حيفا إلى نابلس بعد ضم الضفة الغربية لإدارة الأردن عام 1950، وخضع قطاع غزة للإدارة المصرية، مما عكس تطوراً متبايناً في الحركة النقابية لخضوعهما لنظامين مختلفين، وتشتت العمل بسبب هجرة القيادات النقابية إلى الأردن، وقد تركز العمل النقابي في عمان، وأصبح شبه سري، وأما على صعيد قطاع غزة، فقد قيد العمل النقابي، حيث اعتبرت الإدارة المصرية أن جميع النشاطات العمالية والنقابية امتداد لحركات شيوعية، يعاقب عليها القانون.
بعد النكسة واحتلال (إسرائيل) الضفة الغربية وقطاع غزه عام 1967م، قام الاحتلال بإغلاق المقرات النقابية في الضفة الغربية، وإبعاد النقابيين إلى خارج الوطن، وتعرض بعضهم للاعتقال الإداري، وقيدت حركتهم، وخضعوا الي الإقامة الجبرية، ورغم ذلك واصلت القيادات النقابية بناء النقابات العمالية، واجتمع النقابيون الفلسطينيون عام 1969م في الضفة، وانتخبوا لجنة تنفيذية جديدة لإحياء فرع الاتحاد وتنشيط العمل النقابي، برغم مواجهة الاحتلال بالكثير من العنف والقمع للحريات.
قامت القيادة النقابية بفك الارتباط عن الاتحاد العام لنقابات العمال بعمان في عام 1973م، وأعلنوا الاتحاد العام لنقابات العمال في الضفة الغربية، وجرت انتخابات اللجنة المركزية للاتحاد في الخامس عشر من يونيو 1979م؛ تميزت الحركة النقابية في تلك الفترة بالأنشطة والعمل المستمر، وتنظيم العمال في النقابات العمالية، مما أدى لمنافسة وصراع بين القوى السياسية الفلسطينية زاد من تدخلها في شؤون الحركة النقابية وهيمنتها عليها، مما أفشل العمل النقابي وأصبح لكل فصيل سياسي منظمته النقابية، ونتج عن ذلك ثلاث اتحادات عمالية، (اتحاد الشبيبة العمالية، واتحاد الكتلة التقدمية، واتحاد كتلة الوحدة العمالية)، وهذا ساهم في زيادة عدد النقابات العمالية، ليصل إلى 150 نقابة، رغم ضعف نسبة الانتساب لهذه النقابات، وتركز الصراع بين مجموعة من النقابيين المهيمنين، والذين يمثلون كتل سياسية حصلت ضمن نظام المحاصصة على مواقع متقدمة، وهذا أدى إلى تغييب العمل النقابي الديمقراطي الحقيقي، فلم تكن هناك انتخابات أو طرح لبرامج انتخابية، مما ساهم في فقدان الثقة بالنقابات العمالية كمؤسسات لخدمة العمال، واعتبرت مؤسسات تابعة للفصائل السياسية، واستمر تنفيذ الأنشطة النقابية من خلال الكتل النقابية المختلفة، وكانت المنافسة بين هذه الكتل حزبية سياسية أكثر منها نقابية، وأدى ذلك لفتح الكثير من الحوارات من أجل تشكيل اتحاد عام يضم كل هذه الكتل النقابية، وقد تكللت الحوارات بالنجاح عام 1992م، والاتفاق على توحيد العمل ضمن اتحاد واحد، وهو الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين الذي نشط وعمل في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
    أما في قطاع غزة فقد سمحت الإدارة المصرية بممارسة العمل النقابي في عام 1964، وكانت البداية بتأسيس ست نقابات عمالية، وكونت بينها اتحاد النقابات العمالية في قطاع غزة عام 1965، واستمر العمل النقابي  حتى نكسة 1967م، قام الاحتلال الإسرائيلي كما الحال في الضفة الغربية بإغلاق النقابات العمالية حتى عام 1980م، سمح الاحتلال بفتح مقرات النقابات والاتحاد للعمل بشروط شروط تعجيزية ومنها: منع النقابات من فتح باب التنسيب أو عقد الانتخابات أو متابعة قضايا العمال الذين يعملون داخل (إسرائيل) الخط الأخضر، ورغم ذلك تمكنت الحركة النقابية في قطاع غزة أن تنتعش منذ منتصف الثمانينات، وكان لها مساهماتها في التصدي لممارسات الاحتلال، وفضح ممارساته وانتهاكاته لحرية العمل النقابي، وقامت بالعديد من الأنشطة النقابية والعمالية في الدفاع عن مصالح وحقوق العمال وتنظيم صفوفهم، وتمكنت من تجديد الهيئات الإدارية للنقابات الست، عبر عقد مؤتمراتها وإجراء انتخاباتها رغم منع الاحتلال ومحاصرة لمقراتها؛ الا القيادات الميدانية ومعظمهم من الشباب تمكنوا بإرادتهم الوطنية من تجديد شرعيتها وانتخاب المجالس الادارية عام 1987.
 لعبت قيادة العمل النقابي في قطاع غزة دوراً بارزاً وفعالاً في الانتفاضة الشعبية عام 1987 ضد الاحتلال (الاسرائيلي)، واندمج معظم قيادات المجالس الإدارية الجديدة فيها وتعرض معظمهم للاعتقال.
     قامت النقابات العمالية، والاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين في الوطن، رغم كل التحديات والتهديدات بالعديد من البرامج النقابية، وتقديم مساعدات إغاثية للأسر المحتاجة والفقيرة ضمن التدخلات للحماية الاجتماعية، والمساهمة في تعزيز صمود المجتمع، والمشاركة في العمل الوطني والاجتماعي خلال الانتفاضة الشعبية بحكم القاعدة الواسعة التي تمثلها، وساهمت النقابات والاتحادات ضمن تواصلها الوطني عبر أطر منظمة التحرير الفلسطينية بدور واضح في تأييد، ودعم ومساندة الموقف السياسي للمنظمة، والذي ينسجم مع مصالح العمال الساعية للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، ورغبتها في إيجاد حل عادل للقضية الفلسطينية على أساس قيام دولة فلسطين المستقلة وعاصمتها القدس، والحفاظ على الحقوق والثوابت الفلسطينية.
    كما أن منظمة التحرير الفلسطينية لعبت دوراً في تعزيز العمل النقابي، باعتبارها الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والمظلة الوطنية لكافة المؤسسات الفلسطينية والمنظمات الشعبية والجماهيرية كالنقابات والاتحادات المهنية والعمالية والاتحادات الطلابية والنسوية...الخ، التي تعمل ضمن تكاملية الأدوار لصالح القضية الفلسطينية، وحماية الشعب الفلسطيني أينما تواجد وتعزيز الهوية الوطنية.
    لتنظيم هذه الأطر أنشأت المنظمة دائرة مختصة باسم دائرة التنظيمات الشعبية عام 1969 لتشرف على جميع المنظمات الشعبية والجماهيرية دون التدخل في شئونها الداخلية، وتشرف الدائرة على اثني عشر تنظيماً شعبياً واتحاداً، وهي اتحادات نقابية سياسية تُشكل ضمن توافق سياسي يقوم على قاعدة تمثيلها من كل الأطر والتنظيمات والفصائل الأعضاء في المنظمة لعضوية الاتحادات والنقابات المهنية والعمالية والنسوية والطلابية....
     تعتبر هذه الاتحادات والمؤسسات النقابية إحدى أذرع منظمة التحرير المدنية والوطنية التي تمثل القطاعات والشرائح الاجتماعية في المجتمع الفلسطيني في المنفى، واستمرت هذه الاتحادات بالاتصال مع القيادات النقابية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تجسيدا للتواصل وإمتداداً للدور الوطني والنضالي للشعب الفلسطيني بين مؤسسات منظمة التحرير في الخارج ومؤسسات الداخل المسجلة وفق القانون، واستمرت العلاقات التكاملية حتى قدوم السلطة الوطنية.
 فرضت المتغيرات والمستجدات السياسية بإقامة السلطة الوطنية، ضرورة لإعادة تنظيم المؤسسات وفق القوانين والتشريعات الفلسطينية، وهذا خلق حالة من عدم الاستقرار، والتداخل في الصلاحيات بين مؤسسات المنظمة، والمؤسسات النقابية والاتحادات القائمة وفق القانون الفلسطيني، مما كان له الأثر السلبي على العلاقات بينها، تداخل في الأدوار والصلاحيات مما زاد من شرذمة الحركة النقابية، ومزيداً من الانقسامات ما بين الخارج والداخل، والذي دفع الأمناء العامين للفصائل والاتحادات لفتح حوار بتوجيهات الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، وتم التوصل لاتفاق على وحدة الحركة النقابية العمالية، وتقسيم الأدوار على أساس تكاملي بينها، والتأسيس لحالة من الانسجام في خدمة الحركة العمالية والنهوض بها وتحقيق مصالحها، بخطوات تبدأ بتشكيل الكونفدرالية النقابية انتقالياً وصولا للفدرالية النقابية المتفق عليها لتوحيد الحركة النقابية (ما زال اتفاق الوحدة يتراوح في مكانه لم يقدم جديد)، الامر الذي يستدعي لإعادة دراسة واقع الحركة النقابية في ضوء الواقع الفلسطيني، وكاستجابة للمتغيرات والتحولات في طبيعة عمل ودور الاتحادات والنقابات العمالية والمهنية لخدمة الأعضاء، وتعزيز نضالها الاجتماعي والاقتصادي، بالتعبير عن مصالح الأعضاء في ظل وجود السلطة الوطنية، والتوجهات نحو بناء مؤسسات الدولة وفق القوانين والتشريعات الفلسطينية، والذي يساهم في تطوير أشكال النضال النقابي والمطلبي للنقابات العمالية على وجه الخصوص، والتي شهدت تحولات جوهرية في أشكال وأنماط العمل النقابي في فلسطين ما بعد توقيع اتفاقية أوسلو، بما ينسجم مع عملية البناء والتحرر الوطني.
ثالثا/ دور النقابات العمالية النضالي والمطلبي في ظل السلطة الوطنية:
     طورت النقابات العمالية والاتحادات منذ قيام السلطة الوطنية منذ عام 1994 أشكال وأنماط النضال النقابي، ونمت قدرات ومهارات كادرها، وحسنت من أدواتها المطلبية وطرق إدارتها، وتدخلاتها في التعبير عن مصالح العمال بمختلف قطاعاتهم النقابية، وعدلت لوائحها وهياكلها النقابية، كاستجابة للمرحلة الجديدة التي يتركز العمل فيها للنضال الاجتماعي والاقتصادي، وتطوير سياسات العمل، فتبنت ضمن برامجها وخططها أساليب جديد في الدفاع عن مصالح العمال، ولعبت دوراً فعالاً في تطوير سياسات العمل والمشاركة في إصدار تشريعات العمل، وخاصة قانون العمل الفلسطيني، والضمان والتأمينات الاجتماعية، وإقرار الحد الأدنى للأجور، وأطلقت برامج التدريب والتثقيف للعمال، وكثفت الأنشطة التي تعزز الحضور النقابي في المجتمع، والتوجه لإنشاء نقابات عمالية جديدة تمثل قطاعات عمالية تغطي كافة المهن والقطاعات العمالية، وسجلت زيادة ملحوظة في نسب العضوية للعمال في النقابات، وحسنت الخدمات المقدمة للعمال كالاستشارات القانونية، وخدمات التأمين الصحي المجني والتدريب والتوعية، وتقديم المساعدات الاجتماعية للمتضررين من العمال نتيجة انتفاضة الأقصى في ظل غياب مؤسسات الحماية الاجتماعية، وتبني المطالب العمالية، وخوض الحوار والمفاوضات الجماعية، وقد حققت النقابات العديد من المكاسب لصالح قضايا نقابية في العديد من القطاعات العمالية.
    مع وجود السلطة أصبح الهدف الرئيسي للنقابات العمالية هو النضال المطلبي وتحقيق المكاسب لصالح قضايا العمال، وإن كان ما تقوم به النقابات لا يرتقي لمستوى معاناة العمال وحجم الضرر الواقع عليهم، لأسباب وعوامل تتعلق بخصوصية الحالة الفلسطينية، وما تواجه من سياسات وممارسات الاحتلال (الإسرائيلي) من عدوان وحروب وحصار مع استمرار الانقسام، وما تبعه من تداعيات كورونا والغلاء الفاحش في الأسعار وارتفاع معدلات الفقر والبطالة....الخ، وجميعها ساهمت في ضعف الدور والتدخل النقابي في عالم العمل.
    شكلت التحديات والمشاكل والمعيقات التي تواجه العمل النقابي في ظل السلطة الوطنية نمط جديد للنضال المطلبي، وتحدي أمام القيادات العمالية في إطار الواجب والمسؤوليات النقابية لوقف كل الانتهاكات الواقعة على الحركة العمالية، واستغلال حاجاتهم للعمل في ظل ارتفاع معدلات الفقر والبطالة التي بلغت حسب جهاز الإحصاء المركزي نسبة 24% في فلسطين، بواقع 14% في الضفة الغربية و44% في قطاع غزة.
    الواقع الصعب الذي يعيشه العمال والموظفين دفع النقابات والاتحادات العمالية للضغط لإصدار وتعديل التشريعات والقوانين الاجتماعية العمالية، ومطالبة الحكومة بتطوير سياسات العمل لمواجهة تغول المشغلين واستغلالهم لظروف العمال ومساومتهم بلقمة العيش وانتهاك حقوقهم في عالم العمل، وخاصة بالتلاعب بالأجور، وتخفيضها، وإعادة الهيكلة للمؤسسات التشغيلية، والاستغناء عنهم، وفصلهم من العمل أو إعادة صياغة شروط تعاقدهم، وهذا وضع النقابات أمام مسئوليات لا مفر منها لخوض معارك نقابية مطلبية لتحسين ظروف وشروط العمل، وخاصة في الفترة الأخيرة ما بعد كورونا وتداعياتها وما تبعها من عدوان على غزة، وغلاء فاحش بالأسعار، وتآكل في الأجور بعد إعلان الحرب الروسية الأوكرانية، وقد سجلت بعض النقابات العمالية والمهنية في نضالها النقابي نماذجاً للنضال الناجح المبني على الحقوق والتصاعد في الخطوات والفعاليات النضالية لتحقيق المطالب النقابية المشروعة، ومنها سبيل المثال لا الحصر نقابة موظفي الإسعاف في الهلال الأحمر، وقد توصلت لاتفاق حول حقوق الموظفين برعاية الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين ووزارة العمل، وتوصلت نقابة الأطباء، واتحاد المعلمين، ونقابة المحامين، ونقابة العاملين في الخدمات الصحية، ونقابة عمال البريد، ونقابة البلديات...الخ لاتفاقات مع الحكومة حول مطالبها، وهي نماذج حية للنضال المطلبي والحقيقي في هذه الفترة، حيث خاضت الإضرابات والفعاليات والحوارات والمفاوضات، وحققت من خلالها بعض المطالب والمكاسب النقابية باستجابة من الإدارة المشغلة، وبعضها ما زال في حالة غير مستقرة، ولم تنفذ على الأرض، لعوامل وأسباب وحسابات مشوهه مرتبطة بالاحتلال وأزمة السلطة المالية، والحصار، والانقسام السياسي، وضعف الموارد المالية، والقرصنة على أموال المقاصة، ووقف الدعم والتمويل الخارجي وتقليصه، برغم ما يتم الإعلان عنه حول إعادة الدعم والانفراج الاقتصادي، والذي لم نلمسه في ظل هشاشة الواقع الاقتصادي الفلسطيني، وضعف المصادر والامكانيات، وتهرب الحكومة من مسئولياتها في بعض الأحيان، وعدم مقدرتها على بسط نفوذها في محافظات غزة والسيطرة على الموارد المالية فيها.
رابعاً/ أثر الانقسام السياسي وانعكاسه على النضال النقابي والمطلبي: 
تأثرت النقابات العمالية والمهنية بالانقسام السياسي وتداعياته، وأحيانا منع قياداتها من ممارسة العمل النقابي وقيدت حريتهم، وخاصة في محافظات غزة بالإضافة أنها تعيش حالة من التهميش والضعف في ظل ارتفاع معدلات البطالة والفقر، وعدم توازن استقرار سوق العمل، وقانون العرض والطلب الذي أضعف دور النقابات والاتحادات العمالية النضالي والمطلبي في الدفاع عن مصالح العاملات والعمال وتحسين ظروف وشروط العمل.
تسبب الانقسام بمعاقبة الحركة النقابية العمالية لأسباب سياسية، الأمر الذي انعكس على أداء النقابي وساهم في تراجع تحصيل حقوق العمال الفلسطينيين وحماية مصالحهم لضعف النقابات في الوضع الحالي مقارنة مع وضع النقابات العمالية قبل الانقسام، حيث سيطرت حركة حماس وكتلتها العمالية بالقوة العسكرية على مقر الاتحاد العام لنقابات عمال فلسطين ونقاباته عام 2007، وشكلت جسم موازي يحمل نفس الاسم للاتحاد، ويستخدم نفس الشعار والأوراق، والوثائق النقابية، في محاولة للإحلال بجسم بديل عن الجسم القائم، وأوجدت نقابات عمالية بديلة وموازية بنفس الأسماء أو أسماء مشابه برغم تعارض ذلك مع القانون 331 لسنة 1954 الذي يرفض ازدواجية النقابات، وبعدها صدرت كتلتها البرلمانية قانون النقابات في غزة رقم2لعام 2013، الأمر الذي جسد وجود كيانين نقابيين متماثلين بنفس المسمى، والشعار والأهداف في ظلّ غياب المرجعيات والجهات الرقابية والقانونية نتيجة تداعيات الانقسام، وفرضت مؤسسات كأمر وقائع على الأرض في ظل غياب الدور الحكومي الموحد، مما زاد الواقع النقابي العمالي معاناة وانقساماً وتشرذماً، ويتزامن ذلك مع محاولات السيطرة الفئوية، وفرض الوصاية الحزبية على التنظيم النقابي وتغييب الديمقراطية،  وكان سبباً في زعزعة الثقة بالعمل النقابي، وتراجع الانتساب وحجم العضوية في كل النقابات العمالية على اختلاف مسمياتها القطاعية، وأعدادها، وتباطؤ في تحقيق أي مكاسب نقابية ونضالية، وخاصة المتأثرة بالانقسام كحقوق الموظفين والعاملين في محافظات غزة، وتطبيق الحد الأدنى للأجور والحماية الاجتماعية وغيرها كثير.
لقد أصبح حال النقابات العمالية والمهنية في ظل الانقسام لا يسُّر أحد، فهي تقف عاجزة وغير قادرة على القيام بواجباتها ووظيفتها الحقيقية، في ظل تقييد الحريات، وعدم مقدرتها على التكيف مع الواقع الجديد في ظل البيئة المشوه التي تحكمها العديد من العوامل والحسابات، والتفسيرات والتجاذبات الفئوية لأي نشاط نقابي وإدارتين للحكم، وضعت العمل النقابي في حالة من الاصطفاف الوهمي، جردها من مضمونها النضالي وشل تحركات بعض قيادتها وخاص الذين صٌدرت نقاباتهم وطردوا من مقراتها على أيدي زملائهم لأسباب سياسية متعلقة بالانقسام والانقلاب على العمل النقابي، الامر الذي كان يستدعي العمل على تحييد العمل النقابي من التجاذبات، وإيجاد وسائل وطرق جديدة للنضال النقابي وحماية الأعضاء، وذلك من خلال التفكير بأساليب ومنهجيات جديدة تنسجم مع الواقع، كي تستطيع النقابات تحقيق أهدافها والحفاظ على إنجازاتها في ظل المتغيرات والمستجدات، والتي تبعها قلة المصادر المالية، وضعف التمويل، وحالة التهميش، والتجاهل المتعمد للنقابات دورها في المجتمع مع تراجع الأولويات لهشاشة الواقع الاقتصادي، فانحصر الدور النقابي ببعض المهام التقليدية للحفاظ على البقاء بدون تجديد أو استحداث للبرامج النوعية، ذات الفعالية وقوة تأثير على الأرض أو تبني قضايا ذات بعد استراتيجي للنهوض بالنقابات وتحسين وتجويد خدماتها.
الانقسام مرض مستعصي يمكن التغلب عليه بإرادة الجماهير والعمل المنظم والرشيد، وتبني القضايا المهنية والاجتماعية بحيادية وتجنب الصدام السياسي، وإيجاد اليات وطرق وأساليب لحماية الانسان العامل من خلال نقابات تناضل لحماية حقوق أعضائها باستقلالية وبدون تدخلات خارجية.    
خامساً/ علاقة النقابات العمالية بالأحزاب السياسية:
عند الحديث عن النقابات وطبيعة علاقتها بالأحزاب السياسية، من المهم التوضيح بأن النقابات تمثل أجسام نقابية نضالية مطلبية ذات طابع ثوري تقوم على أسس ديمقراطية مستقلة، وضمن شروط عضوية محددة، وتعمل وفق لوائح يقرها الأعضاء وفق القانون، بينما الأحزاب فئات متنوعة من البشر تجمعها الأيديولوجيا والفكر الحزبي، وتضبط الأعضاء معايير وضوابط وشروط الحزب.
النقابات تختلف في مفهومها ودورها ووظيفتها وتوجهاتها عن الأحزاب؛ وإن تقاطعوا أحياناً في الأدوار، فالحزب السياسي يسعى للوصول إلى الحكم وتداول السلطة، بينما النقابات هدفها الاستراتيجي حماية الأعضاء والدفاع عن مصالحهم، ولا تسعى لتحقيق مكاسب سياسية، أنما تسعى نحو عمل لائق وكريم للعمال، وتدعم السياسات والتوجهات التي تنسجم مع أهدافها.
في تحليل الواقع الفلسطيني وخصوصيته نجد أن النقابات تضم في عضويتها أشخاص لهم انتماءاتهم السياسية والحزبية، وهناك محاولات تهدف لاستقطاب العمل النقابي لصالح الأحزاب وفرض الوصاية عليه، والتأثير في قراراته بما ينسجم مع المصالح الفئوية والحزبية، الامر الذي يتعارض أحيانا مع مصالح الاعضاء، فالتجربة أثبتت بأن استقلالية القرار النقابي يعزز قوته وفعالياته لصالح القضايا النقابية والمطلبية التي يقودها، فالنقابات القوية تلك التي تقوم على أساس ديمقراطي جماهيري مستقل تجمعها مصالح الأعضاء، وتوحد تحركاتها الحقوق المطلبية ضمن الدور والوظيفة المناطة بها، والتي تمثل مبررات وجودها في عالم العمل والمجتمع .
إن كانت الأحزاب السياسية تسعى للوصول للنظام السياسي، فالأصل أن تناضل من أجل مصالح المواطنين والضغط من أجل التغيير، وتبني قضايا المجتمع والناس الاقتصادية والاجتماعية، ومساندتهم في مواجهة تغول الحكومات المنحازة والجابية للضرائب، ومناهضة الغلو بالأسعار وجشع التجار وتغول رأس المال، ودعم النضالات الاجتماعية التي تقودها النقابات والاتحادات، من خلال مساعدتها في التعبير عن مصالح الأعضاء بصورة جماعية ومنظمة، وهذا دور الأحزاب تجاه النقابات والمجتمع.
     اذا أردنا تطوير النظام السياسي والاجتماعي، ليصبح ذو تأثير وقادر على التعبير عن تطلعات وآمال المجتمع، يجب العمل على تقوية النقابات باعتبارها أكبر مؤسسات المجتمع المدني، وتمكينها من القيام بالدور المناط بها كمؤسسات نقابية اجتماعية تسعي لتحقيق العدالة والحماية الاجتماعية بالطرق ذات بعد نضالي مطلبي لتستطيع التعبير عن الفئات التي تمثلها، وهذا يتطلب فتح المجال للتوسع والانتشار؛ بإنشاء نقابات جديدة يقودها ممثلين حقيقيين، وقيادات ميدانية ذات قدرات ومهارات متنوعة وريادية تستطيع أن تعبر عن حقوق الأعضاء من القطاعات العمالية المتنوعة، ولكي تكون هذه النقابات قوية ومؤثرة يجب أن تكون واسعة العضوية والتمثيل، وتكون قيادتها منتخبة بشكل ديمقراطي، ولديها خطة استراتيجية، وبرنامج نضالي تنموي يحاكي مصالح الأعضاء وتطلعاتهم نحو المستقبل، وينظم عملها لوائح وأنظمة داخلية مقرة وفق الأصول، وبشكل ديمقراطي وجماعي، وتُدير أعملها وأنشطتها بالتشاركية واتخاذ القرارات الجماعية، والعمل ضمن فريق عمل متجانس نحو الاهداف والغايات النقابية والتي تتعارض في أغلب الاحيان مع النظام السياسي الحاكم، وسياسات الحكومات، والمصالح الضيقة للأحزاب والقوى السياسية ذات التوجهات المنفعية، وأطماع وجشع بعض المشغلين الذين يعظموا منافعهم على حساب مصالح العمال.
كي تنجح النقابات في علمها وتغدو مؤثرة كممثل حقيقي للفئات والشرائح التي تمثلها، يجب أن تدار ضمن معايير الحوكمة والإدارة الرشيدة، وأن تتميز عن غيرها من المؤسسات بالأداء والاسلوب الديمقراطي، والقيادة الناجحة باعتبارها أجسام نضالية ثورية تسعى للتغيير نحو الأفضل، وأن تسعى للتشبيك مع كل مكونات المجتمع المدني، والتعاون لبناء التحالفات والائتلافات بما يساعد النقابات على تحقيق أهدافها ودورها، وتعزيز قوتها في التأثير والمناصرة لمساندة قضايا الأعضاء والعمال بشكل عام، فالأصل أن تجند النقابات كل مكونات النظام الاجتماعي من أجل الحشد والتضامن لصالح قضاياهم العادلة، وذات البعد الحقوقي والإنساني، القائم على تحقيق الحماية الاجتماعية والعدالة، وصون الكرامة، والانصاف، وضمان الاستقرار، والأمان الوظيفي، وتعزيز السلم الأهلي، وحماية الحقوق وصولا للعمل اللائق والكريم.
لذا على النقابات أن تحافظ على استقلاليتها ولا تقوم بدور الاحزاب، ولا يجوز للأحزاب التدخل في شئونها المهنية، وفرض الوصاية والتدخل في وضع أجندتها وبرامجها وأنشطتها النقابية، فالعلاقة بين النقابات وكل مكونات المجتمع المدني تكاملية لخدمة المجتمع والنهوض به، ولعل الدول والمجتمعات التي منحت النقابات حقها في ممارسة العمل النقابي بحرية حققت التقدم والازدهار عن غيرها من الدول المتخلفة التي حاصرت النقابات، وقيدت حركاتها وحرياتها بفرض الوصاية عليها، وصبغتها بالطابع الحزبي، مما أضعف دورها وقوة تأثيرها النضالي والمطلبي والاجتماعي. 
     سجلت جمهورية تونس الشقيقة، وحركتها النقابية نموذجاً لتجربة ناجحة في استقلالية النقابات العمالية، فقد لعب الاتحاد العام التونسي للشغل دوراً ناجحاً في تعزيز الحوار الوطني والسلم الأهلي، وقادت المصالحات الوطنية بشكل نموذجي، وهذا نموذج يحترم، ويفترض أن يتم الاقتداء به، فاستقلالية النقابات يمنحها قوة تأثير، وقبول لدى الجميع والخصوم، لذا نتطلع لدور فعال، وهادف في العمل النقابي الفلسطيني ليكون قادراً على قيادة المهمات النقابية والنضالية والوطنية للمساهمة في التغير نحو مستقبل أفضل للأجيال القادمة، والمشاركة في معالجة الإشكاليات، ومواجهة الازمات بأنواعها كطرف محايد ومستقل؛ يحتضن الكل الفلسطيني، يجمع ولا يفرق.
سادساً/ أبرز التحديات التي تواجه العمل النقابي:
إن الحالة الفلسطينية لها خصوصيتها التي تحتاج دائما لوقفة، والتحليل الواقعي المنسجم مع المتغيرات والظروف المحيطة لإحداث التدخلات الفعالة والبناءة وخاصة في العمل النقابي؛ لذا سنتناول بعض المشاكل والتهديدات التي تؤثر على التنظيم النقابي من أجل تحويلها لفرص وآليات للعمل بهدف الارتقاء بالعمل النقابي العمالي، وأبرز الإشكاليات هي: 
-    عدم وجود قانون أو تشريع موحد ينظم العمل النقابي العمالي.
-    الانقسام السياسي وما فرضه من وقائع جديدة زاده من التجاذبات السياسية على حساب العمل النقابي ونضالاته المطلبية.
-    محاولات فرض الوصاية والسيطرة على العمل النقابي، وتقييد حريته من قبل المشغلين والحكومة والأحزاب السياسية.
-    الانقسامات في الحركة النقابية وتعدد المرجعيات النقابية، الامر الذي خلق حالة من الشرذمة النقابية.
-    الصراعات الداخلية بين القيادات النقابية وشخصنة العمل النقابي، ونظريات المؤامرة وغياب الثقة، والتعصب الفئوي والجهوي والجماعات والشلاليات.
-    ضعف اللوائح والهيكليات والنظم التي تعزز الديمقراطية والإدارة الرشيدة في النقابات وغياب مبدأ الثواب والعقاب في العمل.
-    تدني نسب العضوية النقابية، وغياب الانتخابات الدورية والديمقراطية، وضعف التمثيل الحقيقي للعضوية حسب التصنيف القطاعي للعمال ونشاطهم الاقتصادي.
-    عزوف الشباب عن المشاركة في العمل النقابي، وضعف الثقة بالمؤسسات النقابية.
-    تدنى نسب مشاركة النساء في العمل النقابي، وانخفاض حجم تمثيلها في المواقع القيادية للنقابات العمالية.
-    غياب الدعم للبرامج والأنشطة النقابية، وضعف مصادر التمويل المالية للنقابات العمالية. 
-    قلة الوعي النقابي حول النقابات وأهميتها بين العاملات والعمال، وتراجع الثقافة العمالية.
-    غياب الخطط والاستراتيجيات الوطنية لتطوير أداء العمل النقابي لخدمة الأعضاء وتطوير السياسات.
-    ضعف العلاقات بين المؤسسات النقابية ومؤسسات المجتمع المدني وخاصة في تنسيق البرامج والأنشطة التي تتقاطع لخدمة المجتمع وأفراده.
-    محدودية فرص العمل، وارتفاع معدلات ونسب الفقر والبطالة، وعدم توازن في قانون العرض والطلب. 
هناك الكثير من المشاكل والمعيقات والتهديدات الداخلية والخارجية والتي تتجدد وتزداد مع المتغيرات والمستجدات والكوارث والأزمات المتلاحقة التي تعصف بالواقع الفلسطيني، وأخرى مرتبطة بالتطورات التكنولوجية والتقنيات الجديدة وعالم الرقمنة، والفضاء الأزرق؛ الذي يستدعي لتطوير من الأساليب والأدوات النقابية كاستجابة طبيعية للواقع بحلته الجديدة، فالعمل الناجح لا يتوقف على الحالة التقليدية إنما يكون متجدد وقادر على التكيف والموائمة مع الحداثة، وقادر على الاستمرارية لخدمة أهدافه ومصالح أعضاؤه.
سابعاً/ رؤية لتطوير العمل النقابي في فلسطين:
مر العمل النقابي في فلسطين بالعديد من المحطات التاريخية، والتي نعتز ونفخر ببعضها كما مر بالكثير من التحديات والاشكاليات التي أضعفت من دوره النضالي المطلبي، ووظيفته النقابية، ومساهماته البنائية، لذا يحتاج لأفكار ريادية لتطوير برامجه وتدخلاته النقابية والنضالية المطلبية بما ينسجم مع التوجهات الوطنية في عملية البناء والتحرر الوطني، وتحقيق الحلم الفلسطيني بإقامة الدولة الفلسطينية الديمقراطية والمستقلة وعاصمتها القدس الشريف، الامر الذي يستدعي إلي إرساء القيم الإيجابية والحفاظ على الاخلاقيات المهنية، والايمان بالعمل والفكرة، كهدف ووسيلة لتحقيق الدور والوظيفة النقابية بمستوى عالي من الأداء والجودة في الخدمات، ويمكن تحقيق ذلك عبر مجموعة من الخطوات لتطوير العمل وبناء استراتيجية وطنية للعمل النقابي، وبناء شبكة وتحالفات مساندة لها ومنها التالي:
-    العمل على اصدار تشريعات وقوانين متخصصة لتنظيم العمل النقابي، بمعنى اصدار تشريع ينظم النقابات العمالية، ويحدد الأدوار والوظائف بما ينسجم مع المعايير الدولية وضمن الحريات النقابية بدون قيود، بحيث يتم الحفاظ على دور النقابات واستقلاليتها بما يعزز دورها النقابي والمطلبي والمهني لخدمة أعضائها، وتشريع لكل نقابة مهنية، وتشريع لمنظمات أصحاب العمل.. الخ.
-    العمل على صياغة وثيقة شرف بين كل الفاعلين في العمل النقابي، تقوم على احترام حرية واستقلال العمل النقابي، وتعزز قيم الديمقراطية النقابية والحريات، وتحييد العمل النقابي عن أي تجاذبات أو صراعات بعيداً عن مبررات وجوده. 
-    العمل على مشاركة النقابات والاتحادات في تطوير السياسات والاستراتيجيات لعالم العمل بشكل يضمن مساهماتها بحرية وبعيداً عن محاولات الاملاء والاخضاع على حساب مصالح العمال.
-    بناء شبكة علاقات نقابية واجتماعية لتبني قضايا مشتركة بين المؤسسات الاهلية والنقابات، بما يحقق نضال مشترك حول القضايا النقابية والاجتماعية وخاصة للفئات المهمشة، والنساء والشباب وذوي الإعاقة ..الخ.
-    العمل على تحديد وبلورة المصلحة النقابية من خلال دراسة علمية على أسس موضوعية قائمة على وجهة نظر مهنية تعبر عن تطلعات النقابات لتطور خططها وبرامجها بشكل علمي ومنهجي، ووفق معلومات وبيانات وأرقام واحصائيات دقيقة.
-    العمل على مشاركة النقابات والاتحادات في تطوير السياسات والاستراتيجيات لعالم العمل بشكل يضمن مساهماتها بحرية وبعيداً عن محاولات الاملاء والاخضاع على حساب مصالح العمال.
-     تطوير البرامج والأنشطة النقابية بما يحقق تطلعات الحركة النقابية ويعبر عن آمالهم، وخاصةً المتعلقة ببرامج التوعية والحقوق الاقتصادية والاجتماعية وتوفير الحماية الاجتماعية والتأمينات من المخاطر...
-    ضرورة العمل على تطوير الهيكليات واللوائح النقابية بما يضمن مشاركة أكبر للنساء وللكوادر الشابة في إدارة النقابات وصناعة القرار فيها.
-    العمل على تشكيل قوة ضغط وتأثير لكافة القضايا النقابية والاجتماعية التي تهم النقابات العمالية وتشكيل تحالفات وائتلافات للمناصرة لصالح القضايا المطلبية التي تقودها النقابات العمالية.
-     العمل على تقييم الوضع النقابي بهدف تقدير الموقف ومعالجة الأخطاء والوقوف على المعيقات ومحاسبة المقصرين بغض النظر عن مواقعهم، ومكافأة أصحاب الإنجاز وتكريم المتفانين والمخلصين بالعمل.
-    العمل على بناء قدرات النقابات وتطوير الكادر وتنمية مهارته، وتحسين الأدوات والأساليب النقابية والاستثمار الأمثل للعنصر البشري والاستفادة من التكنولوجيا والتقنيات الحديثة في إدارة العمل والرقمية والفضاء الأزرق.
-    تطوير اللوائح والنظم النقابية بما يحقق معايير الحوكمة والإدارة الرشيدة، الاتصال والتواصل الداخلي بشكل انسيابي سلس؛ لتسهيل المهام وتحقيق الأهداف بأقل الإجراءات والتعقيدات البيروقراطية.
-    على النقابات الانحياز بشكل واضح وصريح للقضايا والمصالح العمالية، والفئات التي تمثلها بعيداً عن أي مؤثرات خارجية أو تجاذبات فئوية على حساب العمل النقابي ودوره.
-    العمل على إرساء قواعد العمل الجماعي، وقيم العمل النقابي السليم كالانتماء والانضباط والالتزام، المشاركة، والتعاون، والعمل الطوعي، والايثار، والمبادرة والمبادأة، الاقتناع والانصات، وتقبل الاخر، واحترام وجهات النظر..الخ 
ما زال العمل النقابي يعيش في حالة نضالية مركبة ما بين الثورة والنضال المطلبي، وهو ما يميزه عن غيره وطنياً، ما دام يدور في فلك العمل النضالي الوطني والاجتماعي، وتستطيع  قيادته الموائمة بين مصالح الأعضاء، والحفاظ على الهوية الوطنية، والمشاركة في فضح ممارسات الاحتلال على المستوى الدولي، وهو ما تساهم به النقابات العمالية من خلال علاقاتها الدولية بحشد المواقف لدعم القضية ومساندة الشعب الفلسطيني في نضاله ضد الاحتلال (الإسرائيلي) بشكل متكامل مع النضال الاجتماعي والاقتصادي لصالح العمال وقضاياهم، فهذه قواعد العمل النقابي وفلسفته التي يجب الحفاظ والعمل عليها حتى انهاء الاحتلال بالتزامن مع حماية حقوق العمال بما يمثلون من سواد أعظم في المجتمع، فالإنسان العامل هو أغلى ما نملك، ويجب تطويره، ورعايته، ومساندته، وتحسين واقعه، وتمتين الجبهة الداخلية بتعزيز صمود كل الفئات الاجتماعية في مواجهة متطلبات الحياة وتحدياتها.
أخيراً إن العمل النقابي يقوم على أسس ثورية فعّالة لتحقيق النجاح منها القيم والمبادئ النقابية، والتي يُفتَرَضُ أن تتجسد في فعل حقيقي ومدروس مهنيا، ويجب أن يتعاون الجميع ويتشارك في النهوض بالتنظيم النقابي، وتكوين رأي عام حول أهميته ودوره في تطوير وبناء المجتمعات، ودعوة كل المؤمنين به والمخلصين للحقّ النقابي بالنضال المطلبي، أن يتحدوا للتخلص والتحرر من التبعيات، وعُقد الاصطفاف والتجاذبات التي أضرتْ بالمصالح الوطنية، وبدور النقابات ومهامها النقابية في عملية البناء والتحرر الوطني وإحداث التغيير المنشود.
*باحث في الشئون النقابية والاجتماعية:

 

الآراء المطروحة تعبرعن رأي كاتبها أوكاتبته وليس بالضرورة أنها تعبرعن الموقف الرسمي

لـ"ريال ميديا" 

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات