الثلاثاء 02 يونيو 2020

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.51 3.53
    الدينــار الأردنــــي 4.92 5.01
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.82 3.88
    الجـنيـه المـصــري 0.2 0.21

دور العوامل الإقليمية في تغيير الفرص السياسية لحركة حماس

  • 07:20 AM

  • 2015-09-02

د.عقل صلاح:

تغير موقف حركة حماس بناء على تغير الفرص في البيئة السياسية الإقليمية العربية، فكما هو معروف بأن كل من حزب الله وسوريا وإيران من حلفاء حركة حماس، ولكن بعد سيطرة حماس على القطاع، والتغيرات التي حدثت على المستوى الاقليمي العربي المتمثلة بفوز الاخوان المسلمين في تونس، ووصول جماعة الاخوان في مصر للحكم، اعتبرت حماس أن هذه التغيرات انتصارٌ لها ودعمٌ لموقفها. وعليه غيرت من موقفها تجاه مثلث الممانعة، فخرجت من سوريا التي احتضنتها ودعمتها ودرّبت جناحها العسكري، ولحقت بقطار قطر وأموالها؛ لتنضم لتحالف الاخوان المتمثل في مثلث مصر وتركيا وقطر بضغط من قبل جماعة الاخوان العالمية وقيادة حماس في الخارج، فظهرت الحركة بأنها غير وفية ولم تحفظ الجميل لمن احتضنها ودعمها، إضافة إلى دعمها للمعارضة السورية ضد النظام مما شكل احراجًا للحركة ليس على المستوى الخارجي فقط، وإنما على المستوى الداخلي أيضًا وبالأخص لقيادة غزة، فكان أسوأ قرار اتخذته الحركة بعد انقلابها العسكري.

إلا أن الحركة خسرت رهانها على سقوط النظام السوري، وبدلًا من ذلك سقط حكم الاخوان في مصر، وسقط معه الدعم السياسي للحركة، على الرغم من أن الاخوان خلال فترة حكمهم القصيرة لم يقدموا إلا دعمًا على المستوى السياسي النظري. فخسرت حماس الدعم السياسي والمالي والدعم العسكري الايراني وقطعت كل من سوريا وحزب الله علاقاتهم بالحركة، فأصبحت الحركة أمام منزلق خطير فلا يمكنها العودة لحلف الممانعة في ظل فقدان الثقة بها، ولا يمكنها الخروج من قطر، مما انعكس على الحركة بشكل سلبي. فمصر شددت الحصار على القطاع بعد سقوط حكم الاخوان، وإيران رفضت استقبال مشعل على الرغم من زيارة وفد قيادي من حماس في كانون أول/ديسمبر 2014 لطهران بعد الشكر الذي قدمة الناطق الاعلامي باسم الجناح العسكري للحركة في ذكرى انطلاقتها السابعة والعشرين، في محاولة من قبل الحركة لترطيب الأجواء من أجل المصالحة ، وإعادة العلاقة ما بين الطرفين.

والسبب يكمن في أن إيران تنظر إلى مشعل بتوجس، بسبب موقفه من الأحداث في سوريا. فقد غلبت حركة حماس مصالحها على علاقتها بالنظام السوري الذي دعمها، وساندها، واحتضنها بعد طردها من الاردن في بداية التسعينيات. وهنا خسرت حماس مشروع الانتماء لمثلث المقاومة، وارتهنت لمثلث التحالف الإخواني الذي خسر الرهان على الثورات العربية وحوصر عربيًا. فحماس غير قادرة على العودة السريعة إلى مثلث الممانعة، بسبب عدم قدرتها على تبرير موقفها على المستوى الإقليمي والوطني وحتى المستوى الداخلي، فقادة الداخل والجناح العسكري محرجة جدًا من موقف الحركة الرسمي الذي خذل من احتضنهم في الوقت الذي تخلى عنهم الجميع، وهذا التباين ظهر بوضوح من أعلى مرتبة عسكرية في حماس من خلال تصريح القائد العام لكتائب عز الدين القسام محمد الضيف من خلال رسالة التعزية بشهداء حزب الله، حيث صرّح بوضوح أن "بندقية المقاومة يجب أن تكون واحدة وهدفها واحد، وأن توجه نحو العدو الإسرائيلي، ويكفي للأمة استنزافاً طاقاتها و تبديداً لإرادتها". وعليه فإن من السذاجة السياسية تقييم ثوابت حماس واستراتيجيتها بمعزل عن الفرص السياسية المتاحة للحركة.

لقد كان للحرب التي شنتها إسرائيل على القطاع، والتي أسمتها حماس بحرب العصف المأكول فرصة لحماس من جديد، فارتفع رصيد وتأييد حماس الشعبي في كل من الضفة والقطاع، حتى من غير المؤيدين والمنتمين لها، وذلك يعود للدور المقاوم الذي قامت به في القطاع من حفر للأنفاق، وإعداد الكمائن، وقصف المدن داخل أراضي الـ48 المحتلة من خلال تطوير صناعة الصواريخ، وملاحقة وقتل العملاء، وأهمها أسر جنود إسرائيليين.

إن حماس تعي جيدًا كيف تستثمر الفرص المتاحة وتحسن استغلالها، لكن ثمة أمرٌ لا بد من توضيحه، وهو أن اتّكاء حماس على مصلحتها أولًا، وتأثرها بسياسة الإخوان المسلمين ثانيًا يوقعها في مزالق سياسية خطيرة، وليس أدلّ على ذلك من تذبذبها السياسي بين رغبات الإخوان المسلمين وبعض أنظمة الخليج وتركيا، وانسجامها مع من تشاركهم النظرة للصراع في المنطقة، ما يشير إلى مسألتين رئيسيتين:

الأولى تعرض الحركة لضائقة مالية شديدة، مما دفعها لاستثمار الفرص السياسية المتاحة والمصحوبة بإغراءات مالية وإعلامية، ودفع ذاتي من الحركة الأم (الإخوان)، وبالتالي خسرت موقعها الأصيل في محور احتضنها ومولها سياسيًا وإعلاميا وماليًا وعسكريًا. والثانية هي أن ما تفعله حماس هو انسجام طبيعي لسياستها البراغماتية، وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.

يتجلى مما سبق أن حماس بقدر ما لها من عمق ديني ورصيد جهادي إلا أنها تظل أسيرة منظومة سياسية تضفي عليها الكثير من التقلبات السياسية وإن بتغليفه بغلاف ديني يسمح بمرونة لا تقبلها الحركة لأحد سواها. إن هذا التذبذب في المواقف السياسية مرده تذبذب في الأرضية السياسية التي تقف عليها الحركة، وتأثرها غير المبرر – شرعًا أو سياسة- بالفرص التي تستجد على الساحة الدولية.

تتكئ حركة حماس شأنها شأن بقية الحركات والنظم على ذاكرة شعبية قابلة للتغيير باستمرار، مستغلة واقع الخطاب الديني في مجتمع متدين ابتداءً، وشغف الشعب بالمقاومة لدحر الاحتلال، لتمرير تقلباتها السياسية غير المبررة تحت وهج العاملين السابقين. كما أنها تحسن توظيف ماكنتها الإعلامية، والمتحدثين باسمها لتمرير تناقضاتها السياسية، دون أن تترك للمشاهد فرصة الاهتداء لتلك التناقضات الصارخة.

إن المتتبع لمسيرة حماس السياسية يلحظ مسألة غاية في الأهمية، وهي أن الثابت في مسيرتها هو المصلحة الحزبية، والنجاح السياسي، على اعتبار أن سياستها منبثقة من الإسلام، فيما يظهر أن المتغير هو ما قيل عنه ذات يوم أنه من الثوابت والاستراتيجيات التي لا تساهل فيها، ولا حياد عن أصولها، لكن الأحداث والتحالفات والاصطفافات السياسية في الوطن العربي ما بعد الربيع العربي تظهر وبشكل جلي تذبذبًا سياسيًا واضحًا في موقفها وولاءاتها واصطفافاتها، فحماس تنتمي لمشروع سياسي يغلب عليه المصلحة والتعاطي مع كل فرصة تخدم المشروع السياسي، بصرف النظر عن مدى مشروعية تلك الفرص وانسجامها مع الثوابت الأساسية، والمعتقدات الدينية التي تضبط الإيقاع لبرنامجها السياسي، وتحالفاتها، وعلاقاتها، ومواقفها المتعددة.

يتسم السلوك السياسي لحركة حماس بالبراغماتية، إضافة إلى قدرتها على تطويع المبادئ لصالح ما تراه مفيدًا لها في لحظة معينة، ومن مظاهر ذلك أنه بعد بدأ الأعمال العسكرية ضد الحوثيين في اليمن باسم عاصفة الحزم من خلال تحالف عسكري بقيادة المملكة العربية السعودية في 26 آذار/مارس 2015، أصدرت حماس بيان بتاريخ 28 آذار/مارس أيدت فيه التحالف العربي ضد الحوثيين، وأكدت وقوفها مع الشرعية السياسية، وذلك من أجل مواكبة التغيرات السياسية الحاصلة في المنطقة العربية ومحاولة الاستفادة منها، فيما كانت حماس تنئ بنفسها سابقاً عن اتخاذ أي موقف سياسي علني مؤيد أو معارض للأحداث الإقليمية.

ولعل زيارة خالد مشعل للملكة العربية السعودية وعدم استقباله في إيران يقفل الباب أمام إعادة العلاقة مع الحلف القديم. ويتضح من تصريح موسى أبو مرزوق في التاسع عشر من الشهر الماضي المنتقد بشدة لإيران أن الحركة أقفلت الباب أمام إعادة العلاقة مع إيران.

* دكتوراة في النظم السياسية المقارنة:

الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها وليس بالضرورة أنها تعبر عن الموقف الرسمي لموقع " ريال ميديا "

 

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات