السبت 19 سبتمبر 2020

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.32 3.37
    الدينــار الأردنــــي 4.82 4.84
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.91 4.08
    الجـنيـه المـصــري 0.2 0.21

حيلة القرن: تداعيات وسناريوهات وخيارات

  • 20:23 PM

  • 2020-02-02

د. غالب درابيه:

1- مقدمة:

جرت العادة أن لا اتسرع في الحكم على القضايا المهمة وأفضل أن أنام عليها لتحليلها بعقلانية وبدون عواطف. بكل تواضع أعتبر نفسي رجل حر وبعيد منذ 15 عاما عن التجاذبات الفلسطينية مما يسمح لي بأن أكون موضوعيا الى حد ما. درست السياسة وعملت بها في عقرها في واشنطن في ظروف دولية وإقليمية أكثر تعقيدا شهدت بزوغ إستراتيجية الشرق الأوسط الجديد والفوضى الخلاقة، وفشل محادثات كامب ديفيد الثانية، وانتفاضة الأقصى، وأحداث 11 سبتمبر، وحروب أفغانستان والعراق، وخطة خارطة الطريق، وخطة فك الارتباط من غزة، وعملية الرصاص المصبوب، وحصار الرئيس عرفات واستشهاده.

في تلك الفترة كنت قريبا ممن في المطبخ السياسي الفلسطيني بحكم عملي في بعثة منظمة التحرير في واشنطن وقمت وبتكليف رسمي من الشهيد ياسر عرفات بمفاوضة البيت الأبيض خلال فترة حكم الرئيس بوش الابن، من خلال مستشاره للشرق الأوسط إليوت أبراهام الذي كان صديق شخصي لشارون وأشد صقور أمريكا وأكثرهم تَصهيُنا، حول تطبيق خطة خارطة الطريق. تعلمت الكثير من تلك التجربة وهذا قد يساعدني أن أطرح قراءة وأفكار متواضعة وواقعية لما يحدث وسيحدث نتيجة "لصفقة القرن" والتي أعتبرها بمثابة الجزء الثاني من خطة فك الارتباط الأولى ولكن بشكل أكثر دهاءً ومكراً وأفضلية للطرف الإسرائيلي وسأتحدث عن ذلك لاحقا.

"صفقة القرن" تمثل منعطف تاريخي مهم وتداعياته قد تكون كارثية ان لم نحسن التعامل معها بقدر حجمها، وعليه يجب على الكل الفلسطيني أن يقفوا وقفة تأمل لتحليل الوضع الراهن من خلال مراجعة الذات والاعتراف بأخطاء الماضي بكل شفافية وأخذ زمام المبادرة من جديد من خلال التوافق على رؤية جديدة موحدة لمواجهة هذا التحدي المهول والمحدق بالقضية الفلسطينية ولتحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني في العيش بحرية وكرامة.

البداية يجب أن تبدأ بالاعتراف أن حال حاضرنا هو نتيجة طبيعية لفشل ماضينا. "القيادة" الفلسطينية الحالية، والتي هي صاحبة مشروع أوسلو يجب أن تعترف بأخطاء الماضي وتتحمل المسؤولية التاريخية لما آلت اليه أوضاع الشعب الفلسطيني والكف عن لعب دور الضحية ووضع اللوم على الاخرين والتعويل على أوهام وأخذ قرارات مصيرية لمواجهة هذا التحدي.

2- تداعيات "صفقة القرن" على واقع القضية الفلسطينية وتحليل الوضع الراهن:

مما لا شك به أن هنالك تداعيات خطيرة كثيرة لهذه "الصفقة" على القضية الفلسطينية ولكن لضيق المساحة سأقتصرها على الاستيطان والتغير في الموقف الأمريكي الرسمي اتجاه والقدس والأغوار. سأُعرج سريعا على تشخيص الوضع الراهن ثم البحث عن تداعيات هذه الصفقة والسيناريوهات المستقبلية المحتملة نتيجة لهذه "الصفقة".

أعتقد أن أخطر تداعيات هذه "الصفقة" هو التغير في الموقف الرسمي للولايات المتحدة الامريكية اتجاه الاستيطان وحدود 1967. من ناحية الشق العملي هذا التغير سيمنح "إسرائيل" غطاء سياسي و"كارت بلانش" لتكثيف وتيرة الاستيطان بشكل لم يسبق له مثيل وخاصة في القدس الشرقية. للتذكير، منذ أن احتلت إسرائيل الضفة وغزة في عام 1967 العامل الوحيد الذي كان يردع إسرائيل من بناء المزيد من المستوطنات هو الموقف الأمريكي وليس قرارات مجلس الامن والجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي التي لا تُعد ولا تُحصى، وما يدعو للسخرية أن بعد تلك القرارات كانت "إسرائيل" تزيد وتجحف من بناء المستوطنات. الى يومنا هذا كانت الولايات المتحدة تراقب التوسع الاستيطاني من خلال أقمارها الاصطناعية ودائما تضيف لغة قانونية في أي اتفاقية لمنع وصول المساعدات الامريكية المباشرة للأراضي الفلسطينية.

للتذكير منذ اتفاقية أوسلو أي في زمن السلم وفي وجود سياسة أمريكية ضد الاستيطان، تمكن الاحتلال من زيادة عدد المستوطنين من 110 الف في عام 1993 الى أكثر من 800 الف حتى يومنا هذا (466 الف في الضفة وما يقارب 350 الف في القدس الشرقية).

فتخيلوا ما هو أتٍ في السنوات القادمة نتيجة لهذا التغير الرسمي في الموقف الأمريكي وفي ظل تحالف قوى اليمين والمستوطنين في دولة الاحتلال. تقديري أن نتيجة وتيرة النشاط الاستيطاني سيكون أسرع بكثير من أي فترة سابقة وقد يصل عدد المستوطنين الى مليون ونصف يكون ثلثيهم في القدس الشرقية في السنوات العشرة القادمة. النشاط الاستيطاني القادم في الضفة سيخلق واقع جغرافي على الأرض يزيد من عزلة القدس عن الأراضي الفلسطينية وسيغير طابعها الديمغرافي ولن يسمح بقيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية قابلة للحياة ومتواصلة ومترابطة جغرافيا تلبي طموح الشعب الفلسطيني الذي هو واقع اليوم.

التكثيف القادم للاستيطان سيصب في ترسيخ وتطبيق وبشكل منهجي الخريطة الجديدة "لصفقة القرن" على الأرض. حسب الخارطة المقترحة، سيتم تقطيع أوصال الجغرافيا السياسية الفلسطينية في الضفة والقدس الشرقية بالكامل لخلق خمس كانتونات منفصلة جغرافيا وسيتم خنقها سياسيا وأمنيا واقتصاديا من خلال اغوار الأردن التي تمثل 30 في المئة من مساحة الضفة الغربية، والتي تعتبر المد الطبيعي لها ورئتها التي تتنفس منها. ستصبح أغوار الأردن بمثابة الكماشات والأقفال التي ستخنق الكيان الفلسطيني الجديد وتحرمه من السيادة الحقيقية.

الأسوأ والحتمي في هذا السناريو أن دولة الاحتلال ومن خلال هذا الخنق ستهيئ الظروف المناسبة للتهجير الطوعي للعقول الفلسطينية متى تشاء كما يحدث في قطاع غزة اليوم والإبقاء على العمالة الرخيصة التي سيستغلها الاقتصاد الإسرائيلي على شبيه ما حدث في الكانتونات السوداء في جنوب أفريقيا العنصرية والتي عُرفت باسم البانتوستانات.

"صفقة القرن" هي بمثابة خطة لفك الارتباط من الضفة الغربية ولكن بنسخة معدلة وأكثر تحصينا لدولة الاحتلال من الخطة الأولى التي نفذت في قطاع غزة. الفرق بين ما حدث في غزة وسيحدث في الضفة، أن غزة لها حدود مباشرة مع مصر لم تستطع "إسرائيل" السيطرة عليها وأصبحت تحت سيطرة الطرف الفلسطيني ولكن هذا لن يكون متاحا للكيان الفلسطيني في الضفة. لذلك هذه الخطة تُمكن دولة الاحتلال من تكرار سيناريو غزة ولكن بدون متسع من الحدود الدولية الطبيعية للتواصل مع العالم الخارجي. الحدود مع الأردن ستكون من خلال شارعين أو جسرين فقط تستطيع دولة الاحتلال إغلاقهما متى تشاء وبسهولة مفرطة لعدم وجود امتداد طبيعي لتلك الحدود جراء سيطرتها الأمنية الكاملة على اغوار الاردن. فلكم أن تتخيلوا مستقبل هذا الكيان.

بالمختصر المفيد، في السنوات الخمس الى العشر القادمة ستصبح الخارطة الجغرافية للكيان الفلسطيني في الضفة كشرائح "الجبنة السويسرية" التي تحدث عنها رابين. لهم الجبن ولنا الفراغات، كانتونات مفرغة من المصادر الطبيعية كالزراعة والمياه وممزقة ومهددة بالمزيد من القضم مما سيجعلها غير قابل للحياة.

يجب هنا أن نتذكر القائد الفلسطيني الفذ الدكتور حيدر عبد الشافي، رئيس الوفد الفلسطيني المفاوض في مدريد والذي كان يرفض أن يتزحزح قيد أنملة في المفاوضات قبل حسم مسألة وقف الاستيطان، لأنه كان يعلم بخبثهم وقد بين لنا التاريخ صدق رؤيته.

وبناء على ما سبق، الاكتفاء بالرفض والقول أن "القدس ليست للبيع" والإبقاء على الوضع الراهن ولعب دور الضحية والتعويل على الشرعية الدولية والتوجه للجامعة الدول العربية العرجاء والأنظمة الرسمية لم يعد خيارا بل أصبح عبأ يعطي الفلسطينيين أمالاً كاذبة بل واضيف أنه يعني بيع القدس!!! حان الوقت للتعويل على أهم مرتكزاتنا الى وهو أحرار العالم، يجب أن يصبح هذا الصراع صراع قيم بين الاخلاق واللاأخلاق لتصبح دولة الاحتلال كيان منبوذ ومعزول.

السؤال هنا ما هي جميع الخيارات الفلسطينية المتاحة:

3- الخيارات الفلسطينية:

أولا: القبول "بصفقة القرن" كما هي وهذا يعني الاستسلام:

"صفقة القرن" هي وثيقة للاستسلام وليس للسلام. السلام يحتاج لطرفين.
عندما أتأمل بنسختها الكاملة ذي الصفحات 181 لا أستطيع الا أن أتخيل أن قلم العم نتنياهو وتحالفه اليميني مع حركة المستوطنين المتطرفين قد خطو كل كلمة فيها على لإعتقادهم أن الشعب الفلسطيني قد هزم واستسلم. للتذكير جيرالد كوشنر ينادي نتنياهو بالعم بيبي وكان نتنياهو يمكث في بيته عندما كان يزور نيويورك بصفة شخصية. أنا لا استبعد بأن نتنياهو كان يغير نص هذه الوثيقة حتى آخر لحظة قبل إعلانها. أفضل ما بهذه الصفقة هو عدد صفحاتها الذي يذكرنا بقرار التقسيم181.

قد يكون خيار القبول بهذه الصفقة يدور في ذهن البعض وهذا حق لهم لأنهم يتذكرون الماضي وما عُرض علينا في قرار التقسيم عام 1948 ويقارنوه بما قبلنا به بعد 40 عاما في عام 1988، عندما قبلت منظمة التحرير حينها بقرارات الأمم المتحدة 242 و 338 أي حدود 1967 لإنهاء الصراع. أعتقد أنه من الطبيعي أن يلوم البعض القيادة الفلسطينية في عام 1948 لعدم قدرتها على قراءة المستقبل وتحليل الوضع الدولي في ذلك الوقت، ولكن وللإنصاف فإن جميع المبادرات اللاحقة من خطة روجر الى ريجن الى كامب ديفيد الأولى والثانية وطابا وغيرهما باستثناء خطة خارطة الطريق لم يرتقوا لتلبية أبسط تطلعات الشعب الفلسطيني في تحقيق المصير ولذلك لم تمر ولنفس السبب لن تمر هذه "الصفقة".

الحقيقة أن هذه "الصفقة" هي محاولة يائسة من اليمين الإسرائيلي لفرض وثيقة استسلام على الفلسطينيين، لأن السلام ببساطة يحتاج لطرفين. منذ محادثات كامب ديفيد الثانية تمكن اليمين الاسرائيلي من أقناع المجتمع الإسرائيلي وبعض سُذج العالم أن الفلسطينيين لم يُفوتوا فرصة لتفويت الفرص. هذه رواية كاذبة ومقارنة غير عادلة. لأن الرئيس الشهيد ياسر عرفات والقيادة الفلسطينية قبلت بخطة خارطة الطريق في 2003 على الرغم من صعوبتها وقسوتها والذي رفضها وحاربها بدهاء ومكر شارون ودولة الاحتلال. في ذلك الوقت قال بوش الابن "أن رؤيتي هي لدولتين تعيشان جنباً إلى جنب في سلام وأمن... والسلام يتطلب قيادة فلسطينية جديدة ومختلفة حتى تولد دولة فلسطينية". أتذكر أن تلك الكلمات نزلت علي وعلى كثير من الفلسطينيين كالصاعقة لأنها تدعو الى التخلي عن أهم رموز الشعب الفلسطيني في التاريخ المعاصر وأيضا كانت المرة الأولى في تاريخ الصراع العربي الإسرائيلي التي ينطق فيها رئيس أمريكي بكلمة دولة فلسطين.

للتاريخ ولإنصاف الرئيس الشهيد عرفات وأنا كنت على تواصل معه دائم من خلال تقاريري السياسية في تلك الفترة، بالنسبة للرئيس عرفات كان الخيار ما بين نفسه ووطنه، إما فلسطين وإما عرفات وهي معضلة قاسية جدا. لقد قبل الرئيس عرفات بتلك الخطة ودفع حياته ثمنا. فالقيادة الفلسطينية دائما كانت منفتحة وفي كثير من الأحيان متهاونة وتنازلت عن الكثير من أجل تحقيق سلام عادل وشامل للطرفين. فقبول قراري مجلس الامن 242 و 338 أي حدود 1967 والتي هي فقط 22% من مساحة فلسطين التاريخية كان التنازل التاريخي والاقصى من الطرف الفلسطيني.
ببساطة واختصار، القبول بهذه "الوثيقة كما هي يعني الاستسلام وليس تفويت فرصة.

ثانياً: القبول مبدئيا "بالصفقة" بشرط وقف الاستيطان وأن لا تنفذ إسرائيل الخطة أحادياً.

هذا الخيار ليس إستراتيجيا ولكن تكتيكيا قد يخدم القضية الفلسطينية على المدى القصير لشراء بعض الوقت حتى تتأتى ظروف وتغيرات دولية وجيوسياسية مختلفة تصب في مصلحة الطرف الفلسطيني. يجب ان لا يتم طرح هذا الخيار الا بعد الحصول على تأكيدات وتطمينات مكتوبة ومن خلال وسطاء موثوقين للجم دولة الاحتلال من تنفيذ بنود هذه الاتفاقية المتمثلة بضم أراضي المستوطنات وأغوار الأردن. يجب أن يتزامن هذا الخيار مع إعادة ترتيب البيت الفلسطيني الداخلي وتبني رؤية استراتيجية موحدة لتعبئة الجماهير للمرحلة القادمة.

تقديري أن هذا الخيار سيكون صعب المنال لكلى الطرفين، بالنسبة لنتنياهو هذا سيكون بمثابة انتحار سياسي بسبب وعوده لتحالفه اليميني مع المستوطنين وسيحاربه بكل ما أتى من قوة ولن يقبل به. وبالنسبة للرئيس عباس سيكون مكلفا سياسيا ومحرجا بعد أن سمعنا كل تلك اللاءات.

ثالثا: رفض "الصفقة" والحفاظ على الوضع الراهن ومكتسباته:

يبدو لي أن هذا هو خيار "القيادة" الفلسطينية الحالي وذلك من خلال التمسك بحل الدولتين والقرارات الدولية والتعويل على أوهام مثل:

- مجلس الأمن المشلول ليس فقط بسبب الفيتو الأمريكي ولكن لعدم وجود قوة دولية تستطيع تنفيذ قرارته في ظل دعم الولايات المتحدة الامريكية الاعمى لدولة الاحتلال .
- وجامعة الدول العربية التي تنازع وعلى شفى حفرة من الموت الأكيد.
- والمحاكم الدولية التي تطول أحبالها لعشرات السنوات.
- والاحتفاظ بالسلطة مع إعادة النظر بوظائفها.
- ومحاولة تعبئة الجماهير الفلسطينية للخروج للشوارع وإطلاق شرارة المقاومة الشعبية التي لن تنجح في ظل وجود كيان السلطة ورموزها الفاسدين.

ما يجب أن يعلمه كل فلسطيني أن هذه "الصفقة" بمثابة صفعة قوية لم يسبق لها مثيل للمنظومة والشرعية الدولية المتمثلة بقرارات الأمم المتحدة وتقويض فاضح للقانون الدولي وحقوق الشعوب. التعويل على المنظومة الدولية أصبح وهم وهذيان سياسي بامتياز.

المختصر المفيد هو أن "القيادة" الفلسطينية تريد أن تستمر بالشكوى والتذمر ولعب دور الضحية والقيام بإرسال رسائل هنا وهناك والمزايدات اللفظية الفارغة والغير مجدية على شاشات التلفاز ك "القدس ليس للبيع" والاكتفاء بقول "لاءات" وعدم أخذ زمام المبادرة لتغير الوضع الراهن.

هذا الخيار يعني عدم الاعتراف بأخطاء الماضي وتكرارها ولن يجلب للشعب الفلسطيني سوى الهلاك والتدهور والانقسام ولن يجدي نفعا وسيجر الشعب الفلسطيني مرة أخرى الى معركة خاسرة أخرى. "القيادة" لفلسطينية تريد الاستمرار بلعبة عملية السلام والشرعية الدولية ولكن بتغيير شروط اللعبة. من وجهة نظري هذا الموقف هو بيع للقدس ونقطه آخر السطر.

لقد حان الوقت لإعادة النظر في رؤيتنا الاستراتيجية وأدواتها التي قارب عمرها على الثلاثين عاما ولم تحقق سوى التراجع والانتكاسات؟ كما يقول أينشتاين "قانون الغباء هو تكرار فعل نفس الشيء مرات متعددة وتوقع نتائج مختلفة" تحقيق نتائج مختلفة يتطلب القيام بأفعال مختلفة وهذا الخيار في هذه الظروف يعتبر اعلى مراتب الجنون السياسي.
المطلوب أن نعترف بأخطاء الماضي ونغير اللعبة بمجملها من خلال أفعال مختلفة لتحقيق نتائج مختلفة وهذا يقودني للخيار الثالث وهو حل الدولة الديمقراطية الواحدة.

رابعا: رفض "الصفقة" وانهاء حل الدولتين وحل السلطة تدريجيا وتبني حل الدولة الديمقراطية الواحدة مع تعزيز المقاومة الشعبية:

القضية الفلسطينية تمر الآن بمرحلة تاريخية ومصيرية تطلب وقفة تأمل مع الذات والاعتراف بأخطاء الماضي وأخذ زمام المبادرة من خلال رؤية وقرارات إستراتيجية وتاريخية. "صفقة القرن" تتيح لنا فرصة تاريخية وإستراتيجية لتغيير اللعبة وليس فقط قواعدها للتخلص من هذا الاحتلال العين الذي يستبيح دماء اطفالنا ونسائنا وشيوخنا وشبابنا العزل الأبرياء ويحاول أن يجردنا من كرامتنا وانسانيتنا.

هذا الخيار مستوحى من تجربة جنوب أفريقيا وقائدها نيلسون مانديلا وسياسته المبنية على أساس رجل واحد وصوت واحد والتي أدت في نهاية المطاف إلى انهيار دولة التمييز العنصري في جنوب أفريقيا.

- فشل أوسلو وحل الدولتين:

الواقع بما هو عليه اليوم لا يسمح بقيام دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية قابلة للحياة ومتواصلة ومترابطة جغرافيا تلبي طموح الشعب الفلسطيني. أوسلو فشلت ومشروع حل الدولتين أصبح مستحيلا ووهما سياسيا وأعتقد أن هنالك إجماع فلسطيني على ذلك حتى من قبل الطبقة السياسية الفلسطينية ولهذا لن أخوض كثيرا بهذا الموضوع.

- حل السلطة تدريجيا وتعزيز دور منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها:

هذا موضوع شائك وصعب للغاية ولكن يحتاج لوقفة تأمل عميقة ويجب أن نتحلى بقدر من المسؤولية لمناقشته بتمعن وموضوعية لدراسة إيجابيات وسلبيات حل السلطة الفلسطينية.

السلطة الفلسطينية بشكلها الحالي تفتقد لأي سلطات سيادة حقيقة على الأرض، لذلك التوصيف الدقيق لوظائفها الحالية هو بمثابة إدارة حكم محلي يُسير الشؤون الإدارة والمدنية والأمنية داخل المدن الفلسطينية والأخطر أنها أصبحت في الواقع وبشكل مباشر وغير مباشر توفر غطاء للاحتلال ولنظام الفصل العنصري الحاضر بامتياز في الضفة الغربية وتتستر على وجهه اللاأخلاقي وجرائمه اليومية.

الواقع المرير هو أن أوسلو أصبح لها أثر في صميم وتكوين السياسة الفلسطينية حتى طالت الطبقة السياسة وحركة فتح بالأخص. وأخترق الاحتلال صفوفها الأولى والثانية والجميع يعلم هذا. كما وسيكون من الصعب وحتى المستحيل تحويل السلطة الحالية لتعود الى الوراء وتصبح حركة تحرير ثوري يصبح أفرادها ثوار وفدائيين.

"الغاء أوسلو و"أرسال رسائل لنتنياهو بتغير وظائف السلطة" لن يجدي نفعاً. فدولة الاحتلال تقبض على أنفاس الضفة بكاملها وتفوقها العسكري النوعي يجعل من تغير وظائفها شبه مستحيلة. للعلم، كل بندقية وذخيرتها معروفة بيد من ومسجلة لدى دولة الاحتلال وتستطيع إغلاق وتقطيع أوصال الضفة الى عشرات المناطق المغلقة وفي غضون ساعات قليلة وكنا قد شهدنا ما فعلته خلال الانتفاضة الثانية أثناء حصارها للرئيس الشهيد ياسر عرفات.

كي نكون موضوعين، لا شك أن هنالك بعض المكتسبات والإيجابيات للسلطة خاصة في مجال التعليم والصحة ومحاربة الجرائم داخل المدن الفلسطينية ولكن سلبياتها تفوق وبكثير كل تلك الإيجابيات. سلبياتها أنها رسخت في عقول العالم أن الفلسطينيين يحكمون انفسهم بأنفسهم، وتوفر غطاء لنظام الفصل العنصري القائم حاليا والوجه اللاأخلاقي للاحتلال. كما وأنها قللت من تكلفة الاحتفاظ بالاحتلال واستمراريته لدولة الاحتلال لتكون الأقل في التاريخ البشري، بل واصبح الاحتلال يستفيد ماديا واقتصاديا من المُحتل، يا لها من مفارقة غريبة ولكنا عبقرية.

قرار حل السلطة سيواجه الكثير من التحديات أهمها أن المنتفعين من السلطة الحالية وبعض رموزها الفاسدة سيقاتلون من أجل بقائها، ودولة الاحتلال ستكون بالمرصاد لتلك الأصوات التي تنادي لهذا التحرك. قرار كهذا يحتاج لكثير من الحيطة والحظر والتحضير اللوجستيكي والقانوني والإداري والمالي والعسكري لتقليل المخاطر والخسائر قدر المستطاع. تقديري أني أشك بقدرة ورغبة الطبقة السياسية الحالية بهذا.

لن أكون ساذجا فأنا أعلم أن حل السلطة سيؤدي للكثير من المعاناة لشعبنا العظيم والمرابط في المدى القريب، الا أن حل السلطة الفلسطينية في الضفة وتعزيز دور منظمة التحرير الفلسطينية، أصبح حاجة استراتيجية ملحة للمشروع الوطني الفلسطيني، لأنه سيخلق حالة من الفراغ السياسي والأمني في الضفة وسيصبح الاحتلال مُكلف لدولة الاحتلال والمنظومة الدولية وسيزيل الستار عن نظام الفصل العنصري القائم حاليا وسيكشف وجهه اللاأخلاقي. أنا على يقين بأن إرادة شعبنا وشبابه في الضفة الحبيبة ستنتصر كما انتصرت أثناء الانتفاضة الأولى في فضح جرائم الاحتلال ووجه اللا أخلاقي.

من المهم التذكير هنا أن وجود منظمة التحرير الفلسطينية ومؤسساتها وغطائها القانوني في الخارج سيساعد الطرف الفلسطيني على تخط كثير من مخاطر حل السلطة الفلسطينية.

- تبني حل الدولة الديمقراطية الواحدة العلمانية وتعزيز دور المقاومة الشعبية السلمية:

لقد تعمدت أن أجمع حل الدولة الواحدة والمقاومة الشعبية السلمية تحت بند واحد وهذا ليس من باب الاختصار ولكن من باب ارتباطهم الاستراتيجي معا، حيث لا يمكن نجاح إحداهما بدون الأخرى. تحقيق حل الدولة الواحدة سيحتاج لهبات جماهيرية وشعبية سلمية منتظمة وكثيفة من جه وتعزيز المقاومة الشعبية والسلمية يحتاج لرؤية جديدة وملهمة تلهم الفلسطينيين للتضحية والخروج في مسيرات شعبية سلمية قد تؤدي لاستشهادهم أو إصابتهم بالأذى من جه أخرى.

تبني حل الدولة الديمقراطية الواحدة العلمانية، التي يتعايش فيها الأديان الثلاثة (المسلمون والمسيحيون واليهود) متساوون في الحقوق والواجبات، أصبح الخيار الاستراتيجي والعملي الوحيد للخروج من هذا المأزق الخطير لإنقاذ المشروع الوطني الفلسطيني.
من حيث الأرقام، وبناء على تقرير جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني، بلغ عدد سكان الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة خمس ملايين (2.99 مليون في الضفة و 1.99 مليون في قطاع غزة). وحسب تقرير لمكتب الإحصاء المركزي في "إسرائيل" وصل عدد سكان "إسرائيل" عشية العام الجديد 2020، إلى 9 ملايين و136 ألف نسمة (6 ملايين و772 ألف يهودي ومليون و916 ألف فلسطيني).

بالمحصلة وصل إجمالي عدد الفلسطينيين في فلسطين التاريخية من البحر الى النهر الى 6 ملايين و916 ألف فلسطيني مقابل 6 ملايين و772 الف يهودي، هذا يعني أن عدد السكان الفلسطينيين يفوق الإسرائيليين وفي حال أجبرت "إسرائيل" على هذا الخيار كما حدث في جنوب أفريقيا من خلال المقاطعة والعزلة الدولية سيكون الحكم في الدولة الديمقراطية الواحدة والعلمانية للفلسطينيين والقوى المعتدلة في "إسرائيل".
هذا الطرح يقلب المعادلة واللعبة بمجملها، لطالما كنا نتنازع ونتقاتل مع دولة الاحتلال على قطعة أرض هنا وهناك ولكن فكرة حل الدولة الواحدة تؤهلنا للمطالبة بالأرض كاملها.

فلم يعد من المنطق أن تعول الاستراتيجية الفلسطينية على معارك خضضناها في السابق وفشلنا بها مثل الاعتماد على النظام الدولي المشلول وقرع عواصم العالم من أجل مواقف وهمية لا تجدي نفعا. هنالك الآلاف من البيانات التي تشجب إسرائيل و 40 قرار صادرة عن مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة ضد "اسرائيل" والتي هي أعلى سلطة لحفظ الامن والسلام الدوليين، على أهميتها الا أنها لم تكن فاعلة ولم تجلب لنا الحرية والاستقلال.

كما لم يعد من المنطقي التعويل على الأنظمة الرسمية إيً كانت وخاصة الأنظمة العربية التي أصبحت مشغولة بحروب الوكالات وبأمنها الداخلي والإقليمي. يجب أن نعول على مرتكزنا الحقيقي والذي يكمن بأحرار العالم والشعوب الحرة من خلال المقاومة الشعبية السلمية والتي ستجبر في نهاية المطاف أنظمتها على أخذ مواقف جدية لمقاطعة دولة الاحتلال والتخلي عنها.

هذا الخيار سيعيد القضية الفلسطينية لتتربع على الاجندة الدولية وتخلق أزمة قيم وأخلاق للعالم كما حدث في جنوب افريقيا خلال الحكم العنصري بها.
للتاريخ أول من طرح فكرة الدولة الديمقراطية الواحدة والعلمانية في فلسطين كان القائد الشهيد صلاح خلف "أبو إياد" الذي كان يلقب بضمير الثورة الفلسطينية والأخ هاني الحسن أهم مفكري الثورة الفلسطينية وحركة فتح في ثمانيات القرن الماضي.

المرحلة القادمة هي مرحلة تطلب نهضة وصحوة فكرية جدية للنضال وقيادة من الميدان ومن أرض المعركة لتعبئة الجماهير للخروج في مسيرات شعبية سلمية وبصدور عارية ليس اتجاه مراكز المدن الفلسطينية بل في مناطق الاحتكاك مع المستوطنات والحواجز الإسرائيلية لكشف نظام الفصل العنصري القائم وجرائمه. مثل تلك المرحلة تحتاج تسليم الراية لجيل جديد من القيادة وخرط شريحة الشباب الذي يعرف لغة العصر ولغة العدو وله من القدرات والطاقة والنفس الطويل والقدرة على تعبئة جماهيرنا الفلسطينية في كل بقاع الأرض للتغلب على التحديات الكثيرة والمحدقة القادمة على شعبنا. أعتقد أنه قد حان الوقت لتسليم قيادة الشعب الفلسطيني للأسير الفلسطيني مروان البرغوثي القادر على إلهام الشعب الفلسطيني والعالم الحر لقيادة المرحلة القادمة وضم فريق جديد من جيل الشباب لصفوف القيادة مستعد للتضحية بالغالي والرخيص من أجل تحقيق الحرية والاستقلال.

تجسيد المقاومة الشعبية السلمية سيسمح للطرف الفلسطيني وهو الأضعف عسكريا لتحييد الالة العسكرية لدولة الاحتلال والتي هي نقطة قوته وسيرفع تكلفة وعبئ احتلاله الذي يستبيح أرضنا وكرامة وإنسانية كل فلسطين وسيكشف وجهه اللااخلاقي وسيؤدي لعزلته تدريجيا حتى يخضع لمطالبنا الشرعية وذلك من خلال مقاطعة دولية شبيه لما حدث في جنوب أفريقيا.

نجاح هذه الرؤية الاستراتيجية يتطلب الدعوة لمؤتمر وطني يشمل خبراء قانونيين فلسطينيين وعرب ودوليين والاستعانة بقيادات من جنوب أفريقيا وتشكيل فرق عمل من خبراء وسياسيين فلسطينيين من كل الاطياف السياسية لوضع خطط ممنهجة وخطوات ملموسة للتنفيذ من خلال الاستفادة من التجربة الجنوب أفريقية.

كل قارئ للتاريخ يعلم علم اليقين أن الشعوب لا تحصل على حريتها من خطابات على شاشات التلفاز ومن قرارات مجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة ولا من خلال الاعترافات والمحاكم الدولية التي لا أقلل من شانها بل من تضحياتها على الأرض.

الخاتمة:

العوامل الرئيسية لنجاح أي استراتيجية جديدة ينبع من تحديد ومعرفة عناصر القوة والضعف لديك ولدى أعدائك. والذكاء السياسي في إدارة أي صراع هو أن تعرف أي وسيلة تستخدم وكيف ومتى لتُجير نقاط قوتك في استغلال نقاط ضعف عدوك والاهم أن تحول نقاط ضعفك لنقاط قوة.

المقاومة الشعبية السلمية وحركة المقاطعة العالمية لإسرائيل ظاهرة نبيلة وأحد أهم نقاط قوتنا وعلينا جميعا أن ندعمها ونلتف حولها وخير دليل على فعاليتها أن الاحتلال يعتبرها أكبر خطر إستراتيجي لدولته حيث عين وزير لها والآن الولايات المتحدة تغير من قوانينها المحلية لمواجهتها.

خبرائنا المختصين في القانون الدولي والمنظمات الدولية يجب حمايتهم ورعايتهم ونقلهم للعمل خارج الوطن في دول صديقة وتحصينهم بكل الأدوات اللازمة لضمان تطورهم المستمر والحفاظ على سلامتهم لملاحقة دولة الاحتلال في كل المحافل الدولية.

يجب أن يلتف الشعب الفلسطيني حول قوى المقاومة الفلسطينية المسلحة في غزة وحمايتها على الرغم من أنها بالتأكيد لن تعيد لنا القدس ولكنها أثبتت جدارتها بخلق توازن تكتيكي والى حد ما استراتيجي لحماية غزة من الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة والتي كانت تستبيح غزة في الماضي متى تشاء. ولذلك تربط دولة الاحتلال جميع المستحقات الفلسطينية التي جاءت في "صفقة القرن بنزع سلاح المقاومة في غزة.
إتمام المصالحة الوطنية والتوافق على قيادة فلسطينية موحدة لإدارة الصراع وذهاب الرئيس عباس لزيارة غزة الحبيبة وفك حصارها كان دائما ملحا ولكن اليوم أصبح مسألة بقاء على الحياة.

هذه الوثيقة هي محاولة متواضعة لتشخيص الوضع الراهن واطلاق شرارة للتفكير الخلاق المبني على الواقع لخلق مستقبل أفضل لأجيالنا القادمة، أتمنى أن تجد حسن قبولكم الكريم.

والله من وراء القصد.
أسباب رفض "صفقة القرن":

أعتقد أن هنالك أسباب كثيرة لا تعد ولا تحصى لرفض مبادرة الاستسلام أو ما تسمى "بصفقة القرن"، مثل:

• القدس الموحدة عاصمة لدولة الاحتلال،
• تدمر فرصة إقامة دولة فلسطينية مستقلة على حدود 1967 تكون القدس الشرقية بمقدساتها عاصمتها،
• تحرم الكيان الفلسطيني من السيادة على حدوده البحرية والجوية والدولية حتى أنها تعطي دولة الاحتلال الحق في فرض إغلاق أمني بحري متى تشاء،
• تقسيم الكيان الفلسطيني لكانتونات سكانية غير مترابطة وغير متواصلة وعليه غير قابلة للعيش،
• نبذ حق العودة للاجئين الفلسطينيين الى ديارهم ومساواة حقوقهم ومعاناتهم باللاجئين اليهود، بل وحتى تمنع عودتهم الى الكيان الفلسطيني الا بموافقة دولة الاحتلال التي تقرر العدد والأهلية الأمنية لكل شخص.
• تعطي الشرعية القانونية والتاريخية للمستوطنات وتضم أراضيها لدولة الاحتلال، بل وتسمح لدولة الاحتلال بالاستمرار في التوسع الاستيطاني وهدم أي بناء يشكل خطر تحدده دولة الاحتلال أو كعقاب لأي هجمات إرهابية،
• تعطي الحق لقوات الاحتلال أن يكون لها نشاط أمني في كل شبر من الكيان الفلسطيني الجديد دون أي عقاب، وتصرح الاتفاقية لدولة الاحتلال استخدام الطائرات بدون طيار والمعدات الجوية المماثلة لأغراض أمنية.
• تعيد الخطة التأكيد على منطق إثنية-الديمقراطية (أي حسب العرق والدين) المقترحة في قانون دولة الأمة الذي تم إقراره مؤخراً في إسرائيل وذلك من خلال سحب الحقوق السياسية للفلسطينيين في مناطق المثلث،
• منطقها عنصري لأنها تعطي دولة الاحتلال حق السيطرة الأمنية على الإسرائيليين اليهود تحت السيطرة الفلسطينية وتُحرم ذلك على الكيان الفلسطيني،
• تربط المكتسبات الفلسطينية بشروط كثيرة، على سبيل المثال نزع سلاح المقاومة من غزة، عدم التوجه للمحاكم والمنظمات الدولية، تكون دولة الاحتلال هي القاض والجلاد والسجان ولها حق الفيتو.
• لا يجب أن يحدث أي تحسين مهم وملحوظ لسكان قطاع غزة حتى يتم تجريد قطاع غزة من السلاح بالكامل.
• غور الأردن ومنطقة البحر الميت سيكونان تحت السيادة الإسرائيلية وجميع المشاريع الزراعية والسياحية تحتاج لعقود ايجارات تمنح من قبل دولة إسرائيل،
• في حال الاختلاف أو أي شيء غير مستساغ لإسرائيل في هذه الخطة، يكون لها حق النقض وعليه لن يتم تنفيذه أبدًا.

هذه القائمة ما هي الى بقليل من فيض أسباب رفض هذه الوثيقة ولكن في وجهة نظري هنالك ثلاث أسباب استراتيجية:

- السبب الأول: هذه "الصفقة" سوف يتم تطبيقها على الأرض وبالشروط الاسرائيلية إن قبلنا أم لم نقبل، لأن دولة الاحتلال هي الأقوى على الأرض وقادرة على التنفيذ في ظل الدعم الأمريكي وشلل النظام العالمي وتقاعس الأنظمة العربية المؤثرة ولكنها ستكون دائما باطلة وفاقدة للشرعية. فلماذا نعطيهم إذا الشرعية ونشرع الباطل؟ ببساطة بما أن النتائج هي نفسها إن اتفقنا أو لم نتفق معهم فإن عدم الاتفاق أفضل من الاتفاق في هذه الحالة.

السبب الثاني: يعود لأن هذه "الصفقة" هي وثيقة استسلام وليس بخطة سلام، خطها الصهاينة كوشنير وجرين بلات وفريدمان من الطرف الأمريكي بالتعاون والتنسيق الكامل مع نتنياهو وحركات المستوطنين المتطرفين معتقدين أن الشعب الفلسطيني قد هزم واستسلم.

أعتقد أنهم مخطئين ليس من باب المزايدة هنا ولكن من باب قراءة التاريخ ودروسه، إرادة الشعوب غير ملموسة ولذلك هي لا تهزم ولا تقهر. وأيضا لأنهم لا يفهمون التكوين النفسي للشعب الفلسطيني الذي يختلف عن كثير من الشعوب، وذلك ببساطة لأن القدس فيها. الشعب الفلسطيني قد يقبل خسارة المعركة ولكنه لن يقبل بخسارة الحرب ولآخر قطرة دم لأن خسارة الحرب لنا تعني التخلي عن القدس التي تعيش في وجدان كل فلسطيني هي ليست ملكا لنا بل نحن مؤتمنون عليها ولذلك هي جوهر هذا الصراع.

الشعب الفلسطيني ما زال حي والجيل القادم لن يتنازل عن حقه في الدفاع عن مقدساتنا المسلمة والمسيحية التي كرمنا وشرفنا الله بحمايتها. القدس للشعب الفلسطيني هي الفاصل ما بين الحق والباطل.

السبب الثالث: لأنها ستكون خطة ذي طابع عنصري تهدف للاستعباد وليس فقط للاستسلام... كما اسلفنا في البداية، فقط أنظر الى الخارطة المقترحة – تجد أن الخارطة عبارة عن فلسطين التاريخية من البحر الى النهر ولكن بدون غور الأردن الذي يمثل شريان الحياة الزراعية والمائية والمشاريع السياحية للضفة وبدون التكتلات السكانية الفلسطينية مع تقطيع أوصالها الجغرافية الى سبع كانتونات وتجمعات سكانية تتحكم دولة الاحتلال بمصيرها. هذا التحكم سيعطي دولة الاحتلال القدرة من خلال حواجزها العسكرية تحت الذريعة الأمنية من اغلاق وخنق تلك الكانتونات السكانية متى شاء للتحكم بآفاق التنمية الاقتصادية للفلسطينيين وسيكون الامن والاقتصاد الفلسطيني تحت رحمة دولة الاحتلال.

رسالتي للماجستير في عام 1996 كانت حول الاغلاقات الإسرائيلية: استراتيجيتها وأهدافها، وكنت قد أثبت بالأرقام وحقائق أن اهداف تلك الاغلاقات التي كانت دائما ما تكون بذرائع أمنية، كي تتمكن إسرائيل من الإبقاء على سياسة الخناق على الفلسطينيين وخلق تبعية واعتمادية اقتصادية للفلسطينيين على دولة الاحتلال ولتقويض أي جهد لتمنيه اقتصادية حقيقية. رغم تحدثهم عن مشاريع بقيمة 50 مليار دولار إلى أننا نعلم أن هذه "الصفقة" وتحت الذريعة الأمنية توفر لدولة الاحتلال اليد الكبرى في التحكم بالاقتصاد الفلسطيني وتقدمة وإزدهاره.

الآراء المطروحة تعبر عن رأي كاتبها وليس بالضرورة أنها تعبر عن الموقف الرسمي لـ "ريال ميديا"

كلمات دلالية

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

مساحة اعلانية

آراء ومقالات

منوعات