الاحد 15 سبتمبر 2019

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.5 3.54
    الدينــار الأردنــــي 4.59 5.02
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.85 3.93
    الجـنيـه المـصــري 0.2 0.2

"القفص" مسرحية عن تابوهات الحرب

  • 02:22 AM

  • 2015-04-17

غزّة – " ريال ميديا:

حين صرخت بطلة المسرحيّة "حنين": "لا يوجد فائدة من الكلام... العالم يتفرّج علينا"، كانت هذه الكلمات الأخيرة في مسرحيّة "القفص"، ملخّصة رسالة المسرحيّة الّتي تعكس وضع قطاع غزّة الإنسانيّ خلال الحرب الأخيرة ،الّتي استمرّت 51 يوماً منذ الثامن من يوليو/تمّوز الماضي وحتّى السّادس والعشرين من أغسطس/آب، وبعدها.
إنّها تتحدّث عن العزلة الّتي يعيشها القطاع، وتسخر من التّضامن الشكليّ مع ضحايا الحرب، تضامن لا يسعى صاحبه سوى إلى الحصول على صورة مع الضحيّة لنشرها، سواء أكان أجنبيّاً أم قياديّاً أم صحافيّاً، في أداء مسرحيّ جريء وصريح يبرز قضيّة المتاجرة بغزّة وعذابات أهلها. وتعتبر مسرحيّة "القفص"، الّتي تمّ عرضها أربع مرّات حتّى الآن على خشبة مسرح "المسحال" في غزّة، آخرها الثلاثاء الماضي في 7-4-2015، أوّل تعبير فنيّ حرّ عن مثل هذه القضايا، الّتي كان يصعب الحديث عنها خلال الحرب.

لقد حوّلت المسرحيّة البسيطة المباشرة ثيمة الحرب إلى كوميديا هزليّة بين جدران إحدى مدارس وكالة الأونروا، بعد ما تمّ اتّخاذها كمركز إيواء. وتعتبر مباشرة المسرحيّة وواقعيّتها الشديدة عامل جذب للجماهير، الّتي من الواضح أنّها كانت تحتاج إلى رؤية واقعها المأسويّ من منظور فنيّ يخرج بها من الواقع، عبر سحر خشبة المسرح، ولكن من دون رمزيّة أو تعقيد، فتبقى ترى واقعها ذاته.

وتبدأ المسرحيّة بمشهد تجريبيّ لمجموعة من الممثّلين، وهم يهربون في شكل تعبيريّ راقص، والضوء يتحرّك في مجال خشبة المسرح نفسه وصوت القصف الإسرائيليّ يضجّ في القاعة، ويتوقّفون مرّات عدّة في شكل فجائيّ مع ثبات الإنارة.

وتعود حنين من المشهد التجريبيّ الأوّل على كرسيّ متحرّك يجرّها والدها، ويبقيان الشخصيّتين الثابتتين في معظم المشاهد اللاّحقة، وتتناوب عليهما بقيّة شخصيّات المسرحيّة.

وتمثّل الشخصيّة الأولى الصحافيّ الاستغلاليّ، الّذي يضحّي بمشاعر ضحاياه من أجل لقاء وسبق مهنيّ، وهو ما كان يتكرّر في الحرب إلى درجة ابتذال العمل الصحافيّ. أمّا الشخصيّة الثانية فهي ذاك المسؤول الّذي يكثر من العبارات الدينيّة على لسانه، ويأتي ليطمئن إلى حنين، لكنّها تشيح بوجهها عنه، ويتبيّن من حديث والدها اللاّئم إليه أنّه كان جارهم وكان مطلوباً للاحتلال، وحين جاءه تحذير من الجيش الإسرائيليّ بقصف منزله خرج مع عائلته لينقذ نفسه ولم يحذّر جيرانه، ممّا تسبّب بإصابة حنين بساقيها ومقتل والدتها.

وتقول هذه الشخصيّة المنافقة المتديّنة "يا دوب ناديت أولادي وهربنا، الاحتلال أعطانا ثلاث دقائق لنخلي البيت، مش ذنبي ما حدث لكم"، وهنا يسأله عمّ حنين: "في أيّ صفّ بالمدرسة تقيم؟"، فيردّ المطلوب بسخرية: "أنا خلصت تعليم من زمان... تأجّرت شقة صغيرة على قدّي".

ويلخّص هذا المشهد الفجوة الواسعة الّتي كانت بين القيادات السياسيّة خلال الحرب وبين بقيّة الناس الذين لجأ مئات الألوف منهم إلى المدارس.

وتزور حنين بعد ذلك ثلاث شخصيّات: الأولى القياديّ ومعه الحرس الشخصيّ، فيصل ويلقي خطبة تضجّ بالشعارات ويعطي حنين درعاً ويتصوّر معها. كذلك، تفعل الشخصيّة الثانية، وهي مندوبة عن إحدى الجمعيّات الخيريّة. أمّا الشخصيّة الثالثة فهي الأجنبيّ، الّذي يتفاخر بما قدّمه إلى أهل غزّة من "بطاطين وسردين وتين"، ويعطي حنين الدرع ويتصوّر معها، ثمّ يخرج. وفي كلّ مرّة، يبقى النّازحون يواجهون قدرهم وحدهم تحت القصف المستمرّ.

وتعرض المسرحيّة شخصيّات من داخل المدرسة كـ"أبو صابر"، الّذي فقد عقله بعد موت كلّ أفراد عائلته، لكنّه يتحدّث معهم على الدوام كأنّهم حوله. وهناك أيضاً المواطن، الّذي لم يتدمّر منزله، وليس معرّضاً إلى الخطر، لكنّه يبقى في المدرسة بمركز الإيواء مع أطفاله وزوجته بعد أن ضغطوا عليه للبقاء من أجل أكل "علب السردين واللّحمة".

هذا المشهد مهمّ، إذ أنّه يعرض كيف تحوّل جزء كبير من الطبقة المتوسّطة إلى منتظرين للمساعدات في مدارس الوكالة غصباً عن إرادتهم، وبعضهم استغلّ الحدث. وتكمن جرأة المشهد في تلك اللّحظة، حين يتحوّل المواطن الفخور بنفسه إلى مجرّد شحّاذ لتصبح رأسه مطأطأة.

وهذه الصراحة غير المسبوقة في التّعبير عن الواقع بمجموعة صغيرة من الممثّلين الّذين يؤدّون الأدوار كلّها ويكرّرون الظهور على المسرح بأزياء مختلفة، أهّلت المسرحيّة للنّجاح الشعبيّ الكبير، فيتجمّع الجمهور بالمئات على أبواب المسرح، ويقف العشرات منهم، وتهزّ الضحكات الكراسي الصغيرة، ويعمّ الصمت في لحظات الحزن، ويرتعش الأطفال ويتمسّكون بآبائهم، حين يسمعون صوت القصف خلال العرض.

وهكذا، فعل الطفل زين حسين أبو غالي، الّذي لا يتجاوز الأربع سنوات، حين تمسّك بوالده قائلاً: "يلاّ نروح... في قصف"، ولكن والده هدّأه، محاولاً إقناعه بأنّه تمثيل وليس حقيقة.

ويمكن القول إنّ قوّة المسرحيّة في ضعفها، وفي تمثيلها الشديد لواقع تلك اللّحظة المكثّفة، الّتي عبّرت عنها، وبتصوير حيوات اللاّجئين ومعاناتهم في الحرب، لكنّهم لم يتحدّثوا أبداً عنها، إمّا لأنّهم ماتوا، إمّا لأنّهم يخافون.

وتأتي النّهاية قدريّة كلاسيكيّة تعبّر عن انهزاميّة الواقع، فلا يمكن أن تكون النّهاية متخيّلة أو حالمة كما تمنّى البعض، فقد قصفت المدرسة ومات أبو صابر، وهو الّذي فقد عقله وكان يتخيّل جميع أبنائه حوله.

وقال لـ"المونيتور" الممثّل أمجد أبو ياسين (22عاماً)، الّذي أدّى دور أبو صابر: "لقد صدمني تفاعل الجمهور، فشعرنا بأنّ الناس متعطّشون للمسرح، وهذا ما يحتاج إليه القطاع، التّفريغ عبر الفنّ".

ومن جهتها، قالت لـ"المونيتور" عقب العرض، الممثّلة ياسمين أبو عمرو (18عاماً)، الّتي أدّت دور حنين: "إنّ قوّة العرض تكمن في أنّه عبّر عن مواقف وأفكار جريئة لم يسبقنا أحد إلى التّعبير عنها في إطار جريء ونقديّ وكوميديّ".

وإنّ الخطاب العالي الّذي كان في حديث حنين بنهاية المسرحيّة كان مملّاً ومتكرّراً، وحين تمّ نقل الملاحظة إلى المخرج علي أبو ياسين، قال لـ"المونيتور": "أليست حياتنا كلّها خطابات وشعارات، دعينا ننقلها إلى المسرح ونرى ردّة فعل الناس".

إنّ انحسار المشاهد في لحظة قوتّها كأنّها تنكمش على نفسها، وإصرار النصّ على ألاّ يخرج عن كلاسيكيّة ومأسويّة قاتمة، والديكور الثابت الّذي يمثّل أحبالاً منشوراً عليها غسيل اللاّجئين، لكنّه غسيل نظيف وملوّن، كلّها تعطي ببساطة وصفة القفص خلال 45 دقيقة من مدّة المسرحيّة، الّتي تركت أثرها على المشاهدين لنشعر بأنّنا في داخل قفص بلا جدران اسمه غزّة.

أسماء الغول - "نبض فلسطين" على موقع المونيتور:

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

آراء ومقالات

منوعات