الاربعاء 23 اكتوبر 2019

  • أسعار العملات
    العملة سعر الشراء سعر البيع
    الدولار الامـريكي 3.5 3.54
    الدينــار الأردنــــي 4.59 5.02
    الـــيــــــــــــــــــــــــورو 3.85 3.93
    الجـنيـه المـصــري 0.2 0.2

عن صحة ما يأتي

  • 09:11 AM

  • 2015-03-22

وليد أبو بكر:

قد تكون نتائج الانتخابات الإسرائيلية سيئة إلى حد كبير، لأنها جاءت بممثلي اليمين، ممثلي العنصرية والاستيطان، بكل قوة وعنجهية. وقد تكون أكثر سوءا بالنسبة لمن كانوا يتوسمون خيرا في هذا الكيان الاستيطاني، الذي يرى أن العالم يسير في اتجاه،فيختار هو أن يسير في الاتجاه المضاد، ولا يسال إلا عن عالمه وحده، دون أن يشعر بوجود أي عالم سواه.
 وقد تكون هذه النتائج محزنة أيضا بالنسبة لمن تعودوا أن يستفيدوا من وجود الاحتلال، أو من وجودهم تحت الاحتلال، لأنهم يحصلون من ذلك على مكاسب كثيرة، ما كانوا ليحصلوا عليها في أية ظروف أكثر سوية أو أقل تهديدا، لأن الظروف الطبيعية لا تستجيب بهذه البساطة إلى تطلعاتهم نحو البقاء، ضمن الشروط التي ينتعشون بها. 
لكن أهمية هذه النتائج هي أنها تقدم الاحتلال الإسرائيلي على حقيقته، دون أن يتكحل ليرضي، أو يتجمل ليعجب، أمامنا أولا، قبل أن تقدمه لبقية هذا العالم. وأمامنا بالتحديد هو ما يهمنا في الواقع، لأن العالم نفسه يرى جيدا، ويعرف حيدا، ومع ذلك يغضّ النظر. ولأن القضية هي قضيتنا أولا وأخيرا، والعالم لا يهتم بنا إذا لم نهتم نحن بأنفسنا، وهو ما لم نكن نفعله جيدا فيما يبدو، لأننا تعودنا أن نضع آمالنا جميعا في سلة واحدة، أثبت الزمن أنه لا يرجى منها أن تقدّم لبلادنا ثمرة واحدة من الخير، إلا إذا رضي الاحتلال بأن يستغني عن هذه الثمرة، لأنه لا يحتاج إليها.
نحن نعرف، ونكاد ننسى، وربما نتناسى، أننا نعرف، أن الفكرة الصهيونية منذ طرحت نفسها في أراض لا علاقة لها بأرضنا، لم تدع قط إلى مشاركة أو تقسيم، ولا إلى معايشة أو مجاورة، وإنما باشرت فكرتها بالدعوة الصريحة إلى احتلال هذه الأرض العربية بكاملها، وإلى طرد سكانها منها بكاملهم. وفي عرفهم، كما هو معروف لمن يريد أن يعرف، أن لهم إلها يخصهم دون غيرهم من البشر، وأنهم بالنسبة له هم الشعب المختار، أما الآخرون فليسوا سوى مجرّد أغيار، يفترض أن يصنفوا في مرتبة أدنى.
هذا هو الكلام الحاسم الذي عاشت به الفكرة خلال أكثر من مئة عام، وكل كلام ورد فيه ما هو  مختلف، في زمن ما، أو بسبب ظرف ما، لم يكن سوى توالي حروف لا تقصد معانيها، وهي في الواقع لا تستمر إلا بقدر ما تكون الحاجة مطالبة بها، ثم تخترع مبررات تسوّغ التخلي عنها، أو لا تكون ضرورة لاختراعه هذه المبررات، فيتم نسيانها دون اهتمام بتقديم اعتذار، لان الاحتلال لا يعتذر عما يفعل، وهو يعرف أن العالم يرى فيه وجودا غير مبرر من الأساس، ومع ذلك يستمر في دعمه، حتى في شروره جميعها.
تشير دهشة بعضنا من النتائج إلى أننا كنا ــ أو كان بعضنا على الأقلّ ــ في غفلة عن الواقع منذ زمن طويل. ومن الواضح أننا ما زلنا في غفلتنا، أو ما زلنا بحاجة إلى أن نعرف طبيعة أولئك الذين يحتلّون أرضنا، وطبيعة من نواجه، رغم صراحته المبتذلة في الإعلان عن هذه الطبيعة، وفي ممارسة خصائصها ضدّ وجودنا ذاته كلّ الوقت.
وربما تشير هذه الدهشة إلى أننا ما زلنا نأمل في تأجيل مواجهتنا الوجودية التي لا مفرّ منها، مهما كان نوع السبل التي سنعتمدها، كما سبق أن أجلناها كل هذه السنين؛ وأن نستمرّ في خداع أنفسنا، أو القبول بخداع الآخرين لنا، بأن نستمرّ في الإيمان بأن حلا ما قادم في الطريق، أو أنه سوف يسقط مع المطر، وأن ما هو مطلوب منا انتظارا لهذا الحل (الذي يأتي ولا يأتي)، ليس أكثر من أن نصبر حتى يملّ منا الصبر، آو نملّ منه، إذا استطعنا إلى ذلك سبيلا؛ آو نملّ، على الأقل،  من الاستماع إلى  آراء أولئك الذين لم يتوقفوا عن حقن أعمارنا بالوعود، وقد لا يتوقفون، مع أنهم اكتشفوا الآن، والآن فقط، وبعد نتائج الانتخابات، أن هناك احتلالا فوق أرضنا، ما يزال موجودا، وأنه يتوسع، وأنه يزداد عنصرية وطمعا في الأرض، ويزداد تمرّدا على العالم، ولا يعدنا قط بأي شيء، مهما كان متواضعا، كثمن متواضع لصبرنا، وسكوتنا، وإنصاتنا إلى الوعود الفارغة، وقبولنا بالخداع الذي ليس له حدود؛ فشكرا لهم هذا الاكتشاف (غير المسبوق)، وعسى أن ينفعنا أو نتخذه سندا، في الطريق الطويل الذي ما زال علينا أن نقطعه، وإن كان هذا الاكتشاف ــ بكل قوته ــ غير ذي صلة!
في مجيء حكومة من اليمين، لا ترتدي الأقنعة، ولا تخفي النوايا، مساوئ كثيرة لا بد من أن نتجرّع آثارها، لأن علينا أن نستعيد إدراكا يبدو أننا نسيناه، هو أننا ما زلنا تحت احتلال فعليّ، وأنه يسوء حالا، فيسيء إلى حالنا أكثر، وأن كل "المظاهر" التي حاولنا أن نصوّر لأنفسنا أننا حققنا معها شيئا، لم تكن سوى مظاهر، لا تحقق شيئا. 
إن لمواجهة الاحتلال أثمانا باهظة، دفعتها الشعوب جميعا وهي تتحرر، ودفعنا نصيبا كبيرا منها، ولكن يبدو أننا تهنا في الطريق، أو استطال بنا الطريق فقفزنا، وتصورنا أنها قفزة نصر. وقد تمثل هذه الحكومة القادمة، بكل عنجهيتها، تلك الصفعة الحاسمة التي تجعلنا نصحو، بعد أن تلقينا كثيرا من الصفعات التي يبدو أنها كانت أخف مما هو ضروري كي نصحو، فتصورها بعضنا لمسات يد من محب، لا تستحلب صحوا، هو ما يجب أن يكون الآن، وأن يستمرّ ــ مع كل آلامه المتوقعة ـ حتى يكون للثمن المدفوع حصاد حقيقي، لا مجرّد تظاهر بموسم للحصاد.
سؤالنا هو سؤال عديد من الذين فجعوا من النتائج المحبطة للانتخابات الإسرائيلية، من بين الذين تمنوا أن يكون في النتائج تغيير يوقف الاستمرار في طريق، يصفه بعض من كتبوا هناك، بأنه يوصل إلى الهاوية. وفي الظن أنه سيكون لكل ذلك ثمن.
ماذا نفعل أمام ردّة حدثت عندمه، وسط هزيمة متصلة تحدث عندنا؟ ما كان علينا أن نفعله منذ سنوات عديدة: ألا نترك عنصر قوة في وجودنا إلا ووظفناه، من أجل أن يبقى وجودنا. وألا نترك شكلا من المقاومة نستطيعه، إلا ومارسناه، حتى تستمرّ المقاومة، ولا يحلم الاحتلال بأي استقرار؛ وألا نترك بابا يمكن أن يكشف سلوك الاحتلال، ويعمل على وقف تصاعده، إلا وطرقناه. 
ليس علينا ــ بعد الآن ــ أن نخشى ضررا، لأن أشدّ أنواع الضرر واقعة علينا بالفعل: على الوطن كله، وعلى الناس كمواطنين، وعليهم جميعا فردا فردا: فما الذي يبقى في حقيبة هذا الحاوي الذي يتحكم فينا؟
قد تكون فرصتنا التاريخية، من خلال ظروف العالم اليوم، ومن خلال ظروف الاحتلال ذاته: علينا أن نمتلك فرصتنا، وألا نتراجع، فالطريق أمامنا يمكنه أن يبدأ الآن صحيحا، وسوف يكون طويلا، لكنه لا يكون أبدا، بظلمة ليل الاحتلال.

كاتب فلسطيني:

اقرأ المزيد

تحقيقات وتقارير

ثقافة وفن

آراء ومقالات

منوعات